تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
والنقم إنما هو لمعنى فيها يسوغ أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق كأنه وقع منه ، ليعلم الناس أن الأمم متكافلة ، سعادة الفرد منها مرتبطة بسعادة سائر الأفراد ، وشقاؤه بشقائهم ، ويتوقع نزول العقوبة به إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يفعلها هو كما قال :
( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً )
. وفي هذا التكافل رقىّ الأمة وتقدمها في المدنية والحضارة ، إذ يحملها على التعاون البأساء والضراء فتحوز قصب السبق بين الأمم .
( وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ )
ذاك أنهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر ، وقعوا في صحراء فأصابهم حر شديد ، فشكوا إلى موسى فأرسل اللّه إليهم الغمام يظللهم حتى دخلوا أرض الميعاد .
( وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى )
ما منحه اللّه لعباده يسمى إيجاده إنزالا كما جاء في قوله :
( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ )
وقد قالوا إن المنّ كان ينزل عليهم نزول الضباب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وتأتيهم السّمانى فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه إلى الغد .
( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ )
أي وقلنا لهم كلوا من ذلك الرزق الطيب ، وفي سفر الخروج - أنهم أكلوا المنّ أربعين سنة وأن طعمه كالرّقاق بالعسل ، وكان لهم بدل الخبز إذ كانوا محرومين من البقول والخضر .
( وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
أي فكفروا تلك النعم الجزيلة ، وما عاد ضرر ذلك إلا عليهم باستيجابهم عذابي وانقطاع ذلك الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مئونة ولا مشقة . وفي هذا إيماء إلى أن كل ما يطلبه اللّه من عباده فإنما نفعه لهم ، وما ينهاهم عنه فإنما ذلك لدفع ضرّ يقع عليهم ، وقد جاء في الحديث القدسي : « فكل عمل ابن آدم له