تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
جملة
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
. وحكي نداؤهم بصيغة الماضي مع أنه مما سيقع يوم القيامة ، إما لأن إبلاسهم في عذاب جهنم وهو اليأس يكون بعد أن نادوا يا مالك وأجابهم بما أجاب به ، وذلك إذا جعلت جملة
وَنادَوْا
حالية ، وإمّا لتنزيل الفعل المستقبل منزلة الماضي في تحقيق وقوعه تخريجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر نحو قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
[ النمل : 87 ]
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الزمر : 68 ] وهذا إن كانت جملة
وَنادَوْا
إلخ معطوفة . و ( مالك ) المنادى اسم الملك الموكّل بجهنم خاطبوه ليرفع دعوتهم إلى اللّه تعالى شفاعة . واللام في
لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
لام الأمر بمعنى الدعاء . وتوجيه الأمر إلى الغائب لا يكون إلا على معنى التبليغ كما هنا ، أو تنزيل الحاضر منزلة الغائب لاعتبار ما مثل التعظيم في نحو قول الوزير للخليفة : لير الخليفة رأيه . والقضاء بمعنى : الإماتة كقوله :
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
[ القصص : 15 ] ، سألوا اللّه أن يزيل عنهم الحياة ليستريحوا من إحساس العذاب . وهم إنما سألوا اللّه أن يميتهم فأجيبوا بأنهم ماكثون جوابا جامعا لنفي الإماتة ونفي الخروج فهو جواب قاطع لما قد يسألونه من بعد . ومن النوادر المتعلقة بهذه الآية ما روي أن ابن مسعود قرأ ( ونادوا يا مال ) بحذف الكاف على الترخيم ، فذكرت قراءته لابن عباس فقال : ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم ، قال في « الكشاف » : وعن بعضهم : حسّن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه ا ه . وأراد ببعضهم ابن جني فيما ذكره الطّيبي أن ابن جنّي قال : وللترخيم في هذا الموضع سرّ وذلك أنهم لعظم ما هم عليه ضعفت وذلّت أنفسهم وصغر كلامهم فكان هذا من مواضع الاختصار . وفي « صحيح البخاري » عن يعلى بن أمية سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقرأ على المنبر
وَنادَوْا يا مالِكُ
بإثبات الكاف . قال ابن عطية : وقراءة ( ونادوا يا مال ) رواها أبو الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيكون النبي صلى اللّه عليه وسلّم قرأ بالوجهين وتواترت قراءة إثبات الكاف وبقيت الأخرى مروية بالآحاد فلم تكن قرآنا . وجملة
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ
إلى آخرها في موضع العلة لجملة
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
باعتبار تمام الجملة وهو الاستدراك بقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
.