تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وتنوين
كُلٌّ
هو المسمى تنوين العوض عن المضاف إليه ، والتقدير : كلّ من الشمس والقمر يجري إلى أجل . والجري : المشي السريع ؛ استعير لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض ، تشبيها بالمشي السريع لأجل شسوع المسافات التي تقطع في خلال ذلك . وزيادة قوله
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
للإشارة إلى أن لهذا النظام الشمسي أمدا يعلمه اللّه فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك والتنقل ، وهو الوقت الذي يؤذن بانقراض العالم ؛ فهذا تذكير بوقت البعث . فيجوز أن يكون
إِلى أَجَلٍ
ظرفا لغوا متعلقا بفعل
يَجْرِي
، أي : ينتهي جريه ، أي سيره عند أجل معيّن عند اللّه لانتهاء سيرهما . ويجوز أن يكون
إِلى أَجَلٍ
متعلقا بفعل
سَخَّرَ
أي : جعل نظام تسخير الشمس والقمر منتهيا عند أجل مقدّر . وحرف
إِلى
على التقديرين للانتهاء . وليست
إِلى
بمعنى اللام عند صاحب « الكشاف » هنا خلافا لابن مالك وابن هشام ، وسيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
في سورة فاطر [ 13 ] . و
أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
عطف على
أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
، فهو داخل في الاستفهام الإنكاري بتنزيل العالم منزلة غيره لعدم جريه على موجب العلم ، فهم يعلمون أن اللّه خبير بما يعملون ولا يجرون على ما يقتضيه هذا العلم في شيء من أحوالهم . [ 30 ]

[ سورة لقمان ( 31 ) : آية 30 ]

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة موجه إلى غير معين ، والمقصود به المشركون بقرينة قوله وأن ما تدعون
مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ
بتاء الخطاب في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم . والمشار إليه هو المذكور آنفا وهو الإيلاج والتسخير . وموقع هذه الجملة موقع النتيجة من الدليل فلها حكم بدل الاشتمال ولذلك فصلت ولم تعطف فإنهم معترفون بأن اللّه هو فاعل ذلك فلزمهم الدليل ونتيجته .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 126 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور