تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
و
كَلِماتُ
جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
[ المؤمنون : 100 ] أي : الكلام المنبئ عن مراد اللّه من بعض مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرهم من المخلوقات والعناصر المعدودة للتكون التي يقال لها : كن فتكون ، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي لو فرض إرادة اللّه أن يكتب كلامه كله صحفا ففرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاما ، وفرض أن يكون البحر مدادا فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لنفد البحر ونفدت الأقلام وما نفدت كلمات اللّه في نفس الأمر . وأما قوله تعالى : وتمت كلمات
رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
[ الأنعام : 115 ] فالتمام هنالك بمعنى التحقق والنفوذ ، وتقدم قوله تعالى :
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
في سورة الأنفال [ 7 ] . وقد نظمت هذه الآية بإيجاز بديع إذ ابتدئت بحرف
لَوْ
فعلم أن مضمونها أمر مفروض ، وأن ل
لَوْ
استعمالات كما حققه في « مغنى اللبيب » عن عبارة سيبويه . وقد تقدم عند قوله تعالى
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
في سورة الأنفال [ 23 ] . و
مِنْ شَجَرَةٍ
بيان لما الموصولة وهو في معنى التمييز فحقه الإفراد ، ولذلك لم يقل : من أشجار . والأقلام : جمع قلم وهو العود المشقوق ليرفع به المداد ويكتب به ، أي : لو تصير كل شجرة أقلاما بمقدار ما فيها من أغصان صالحة لذلك . والأقلام هو الجمع الشائع لقلم فيرد للكثرة والقلة . و
يَمُدُّهُ
بفتح الياء التحتية وضم الميم ، أي : يزيده مدادا . والمداد - بكسر الميم - الحبر الذي يكتب به . يقال : مد الدّواة يمدها . فكان قوله
يَمُدُّهُ
متضمنا فرض أن يكون البحر مدادا ثم يزاد فيه إذا نشف مداده سبعة أبحر ، ولو قيل : يمده ، بضم الميم من أمد لفات هذا الإيجاز . والسبعة : تستعمل في الكناية عن الكثرة كثيرا كقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « والكافر يأكل في سبعة أمعاء » فليس لهذا العدد مفهوم ، أي والبحر يمده أبحر كثيرة . ومعنى
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
ما انتهت ، أي : فكيف تحسب اليهود ما في التوراة هو منتهى كلمات اللّه ، أو كيف يحسب المشركون أن ما نزل من القرآن أوشك أن يكون انتهاء القرآن ، فيكون المثل على هذا الوجه الآخر واردا مورد المبالغة في كثرة ما سينزل من القرآن إغاظة للمشركين ، فتكون
كَلِماتُ اللَّهِ
هي القرآن ، لأن المشركين لا يعرفون كلمات اللّه التي لا يحاط بها . وجملة
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
تذييل ، فهو لعزته لا يغلبه الذين يزعمون عدم الحاجة
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 123 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور