تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ملابسين لنعمة اللّه عليهم بالسلامة إلا في أحوال نادرة ، وقد سميت هذه النعمة أمرا في قوله
وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
في سورة الحج [ 65 ] ، أي : بتقديره ونظام خلقه . وتقدم تفصيله في قوله
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ
في سورة العنكبوت [ 65 ] ، وفي قوله :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الآيات من سورة يونس [ 22 ] وقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
في سورة الحج [ 65 ] . ويتعلق
لِيُرِيَكُمْ
ب
تَجْرِي
أي : تجري في البحر جريا ، علة خلقه أن يريكم اللّه بعض آياته ، أي : آياته لكم فلم يذكر متعلق الآيات لظهوره من قوله
لِيُرِيَكُمْ
وجري الفلك في البحر آية من آيات القدرة في بديع الصنع أن خلق ماء البحر بنظام ، وخلق الخشب بنظام ، وجعل لعقول الناس نظاما فحصل من ذلك كله إمكان سير الفلك فوق عباب البحر . والمعنى : أن جري السفن فيه حكم كثيرة مقصودة من تسخيره ، منها أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته . وليس يلزم من لام التعليل انحصار الغرض من المعلّل في مدخولها لأن العلل جزئية لا كلية . وجملة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
لها موقع التعليل لجملة
لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ
. ولها موقع الاستئناف البياني إذ يخطر ببال السامع أن يسأل : كيف لم يهتد المشركون بهذه الآيات ؟ فأفيد أن الذي ينتفع بدلالتها على مدلولها هو
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
، ثناء على هذا الفريق صريحا ، وتعريضا بالذين لم ينتفعوا بدلالتها . واقتران الجملة بحرف
أَنَّ
لأنه يفيد في مثل هذا المقام معنى التعليل والتسبب . وجعل ذلك عدة آيات لأن في ذلك دلائل كثيرة ، أي : الذين لا يفارقهم الوصفان . والصبّار : مبالغة في الموصوف بالصبر ، والشّكور كذلك ، أي : الذين لا يفارقهم الوصفان . وهذان وصفان للمؤمنين الموحّدين في الصبر للضراء والشكر للسراء إذ يرجون بهما رضى اللّه تعالى الذي لا يتوكلون إلا عليه في كشف الضر والزيادة من الخير . وقد تخلقوا بذلك بما سمعوا من الترغيب في الوصفين والتحذير من ضديهما قال :
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ
[ البقرة : 177 ] ، وقال :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] فهم بين رجاء الثواب وخوف العقاب لأنهم آمنوا بالحياة الخالدة ذات الجزاء وعلموا أن مصيرهم إلى اللّه الذي أمر ونهى ، فصارا لهم خلقا تطبعوا عليه فلم يفارقاهم البتة أو إلا نادرا ؛ فأما المشركون فنظرهم قاصر على الحياة الحاضرة فهم أسراء العالم الحسيّ فإذا أصابهم ضر ضجروا وإذا أصابهم نفع بطروا ، فهم أخلياء من الصبر والشكر ، فلذلك كان
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 129 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور