تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
شأن العالم أن يتصرف في المعلومات كما يشاء لأن العجز عن إيجاد بعض ما تتوجه إليه الإرادة إنما يتأتى من خفاء السبب الموصل إلى إيجاده ، وإذ قد كان المشركون أو عقلاؤهم يسلمون أن اللّه يعلم كل شيء جعل تسليمهم ذلك وسيلة إلى إقناعهم بقدرته تعالى على كل شيء ، وإما واقعة موقع الاستئناف البياني لما ينشأ عن الإخبار بأن بعثهم كنفس من تعجب فريق ممن أسروا إنكار البعث في نفوسهم الذين أومأ إليهم قوله آنفا :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[ لقمان : 23 ] ، ولأجل هذا لم يقل : إن اللّه عليم قدير . [ 29 ]

[ سورة لقمان ( 31 ) : آية 29 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 ) استدلال على ما تضمنته الآية قبلها من كون الخلق الثاني وهو البعث في متناول قدرة اللّه تعالى بأنه قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالا من الإنسان ، وذلك بتغيير أحوال الأرض وأفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة تغييرا يشبه طروّ الموت على الحياة في دخول الليل في النهار ، وطروّ الحياة على الموت في دخول النهار على الليل ، وبأنه قادر على أعظم من ذلك بما سخره من سير الشمس والقمر . فهذا الاستدلال على إمكان البعث بقياس التمثيل بإمكان ما هو أعظم منه من شؤون المخلوقات بعد أن استدل عليه بالقياس الكلي الذي اقتضاه قوله
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[ لقمان : 28 ] من إحاطة العلم الإلهي بالمعلومات المقتضي إحاطة قدرته بالممكنات لأنها جزئيات المعلومات وفرع عنها . والخطاب لغير معين ، والمقصود به المشركون بقرينة
وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
. والرؤية علمية ، والاستفهام لإنكار عدم الرؤية بتنزيل العالمين منزلة غير عالمين لعدم انتفاعهم بعلمهم . والإيلاج : الإدخال . وهو هنا تمثيل لتعاقب الظلمة والضياء بولوج أحدهما في الآخر كقوله
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس : 37 ] . وتقدم الكلام على نظيره في قوله
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
أول سورة آل عمران [ 27 ] ، وقوله
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
الآية في سورة الحج [ 61 ] مع اختلاف الغرضين . والابتداء بالليل لأن أمره أعجب كيف تغشى ظلمته تلك الأنوار النهارية ، والجمع بين إيلاج الليل وإيلاج النهار لتشخيص تمام القدرة بحيث لا تلازم عملا متماثلا . والكلام على تسخير الشمس والقمر مضى في سورة الأعراف .