تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
اللّه تعالى ، ويكون المعطوفان معطوفين على المجرور بالباء ، أي ملابس لكون اللّه إلها حقا ، ولكون ما تدعون من دونه باطل الإلهية ولكون اللّه هو العلي الكبير . والملابسة المفادة بالباء هي ملابسة الدليل للمدلول وبذلك يستقيم النظم بدون تكلف ، ويزداد وقوع جملة
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
إلى آخرها في موقع النتيجة وضوحا . وضمير الفصل في قوله
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
للاختصاص كما تقدم في قوله :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
[ لقمان : 26 ] . و
الْعَلِيُّ
: صفة مشتقة من العلوّ المعنويّ المجازي وهو القدسية والشرف . و
الْكَبِيرُ
: وصف مشتق من الكبر المجازي وهو عظمة الشأن . وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحج [ 63 ] مع زيادة ضمير الفصل في قوله وأن ما تدعون
مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ
. [ 31 - 32 ]

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 31 إلى 32 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) استئناف جاء على سنن الاستئنافين اللذين قبله في قوله
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ لقمان : 20 ] وقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
[ لقمان : 29 ] ، وجيء بها غير متعاطفة لئلا يتوهم السامع أن العطف على ما تخلل بينها ، وجاء هذا الاستئناف الثالث دليلا ثالثا على عظيم حكمة اللّه في نظام هذا العالم وتوفيق البشر للانتفاع بما هيّأه اللّه لانتفاعهم به . فلما أتى الاستئنافان الأولان على دلائل صنع اللّه في السماوات والأرض جاء في هذا الثالث دليل على بديع صنع اللّه بخلق البحر وتيسير الانتفاع به في إقامة نظام المجتمع البشري . وتخلص منه إلى اتخاذ فريق من الناس موجبات الشكر دواعي كفر . فكان خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسرا للانتفاع بالأسفار فيه حين لا تغني طرق البر في التنقل غناء فجعله قابلا لحمل المراكب العظيمة ، وألهم الإنسان لصنع تلك المراكب على كيفية تحفظها من الغرق في عباب البحر ، وعصمهم من توالي الرياح والموج في أسفارهم ، وهداهم إلى الحيلة في مصانعتها إذا طرأت حتى تنجلي ، ولذلك وصف هذا الجري بملابسة نعمة اللّه فإن الناس كلما مخرت بهم الفلك في البحر كانوا