تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
الحديث عنه باعتبار تعدد ما يقع فيه لأن مقام الموعظة يقتضي الإطناب في تعداد ما يستحق به التوبيخ . وكررت جملة
يَوْمَ يُنادِيهِمْ
لأن التكرار من مقتضيات مقام الموعظة . وهذا توبيخ لهم على تكذيبهم الرسل بعد انقضاء توبيخهم على الإشراك باللّه . والمراد : ما ذا أجبتم المرسلين في الدعوة إلى توحيد اللّه وإبطال الشركاء . والمراد ب
الْمُرْسَلِينَ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما في قوله تعالى في سورة سبأ [ 45 ]
فَكَذَّبُوا رُسُلِي
. وله نظائر في القرآن منها قوله
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا
يريد محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة يونس [ 103 ] وقوله
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ
الآيات في سورة الشعراء [ 105 ] ، وإنما كذب كل فريق من أولئك رسولا واحدا . والذي اقتضى صيغة الجمع أن جميع المكذبين إنما كذبوا رسلهم بعلة استحالة رسالة البشر إلى البشر فهم إنما كذبوا بجنس المرسلين ، ولام الجنس إذا دخلت على ( جميع ) أبطلت منه معنى الجمعية . والاستفهام ب
ما ذا
صوري مقصود منه إظهار بلبلتهم . و ( ذا ) بعد ( ما ) الاستفهامية تعامل معاملة الموصول ، أي ما الذي أجبتم المرسلين ، أي ما جوابكم . و
الْأَنْباءُ
: جمع نبأ ، وهو الخبر عن أمر مهم ، والمراد به هنا الجواب عن سؤال
ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
لأن ذلك الجواب إخبار عما وقع منهم مع رسلهم في الدنيا . والمعنى : عميت الأنباء على جميع المسؤولين فسكتوا كلهم ولم ينتدب زعماؤهم للجواب كفعلهم في تلقي السؤال السابق :
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
[ القصص : 62 ] . ومعنى
فَعَمِيَتْ
خفيت عليهم وهو مأخوذ من عمى البصر لأنه يجعل صاحبه لا يتبين الأشياء ، فتصرفت من العمى معان كثيرة متشابهة يبينها تعدية الفعل كما عدي هنا بحرف ( على ) المناسب للخفاء . ويقال : عمي عليه الطريق . إذا لم يعرف ما يوصل منه ، قال عبد اللّه بن رواحة :
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا * به موقنات أن ما قال واقع
والمعنى : خفيت عليهم الأنباء ولم يهتدوا إلى جواب وذلك من الحيرة والوهل فإنهم لما نودوا
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
[ القصص : 62 ] انبرى رؤساؤهم فلفقوا جوابا عدلوا به عن جادة الاستفهام إلى إنكار أن يكونوا هم الذين سنوا لقومهم عبادة الأصنام ، فلما سئلوا عن جواب دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عيوا عن الجواب فلم يجدوا مغالطة لأنهم لم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 93 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور