تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
هذا من تمام الاعتراض وهي جملة
فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
[ القصص : 67 ] وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة اللّه تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل ، وقلوب غير منفتحة له فهي قاسية صماء ، وأنه الذي اختار فريقا على فريق . وفي « أسباب النزول » للواحدي « قال أهل التفسير نزلت جوابا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر اللّه عنه
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] اه . يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف . وهما المراد بالقريتين . وتبعه الزمخشري وابن عطية . فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله
ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
[ القصص : 65 ] ، فإن قولهم
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والمعنى : أن اللّه يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار ، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله ، وهذا في معنى قوله
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رسالاته [ الأنعام : 124 ] ، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم ؛ والوجهان لا يتزاحمان . والمقصود من الكلام هو قوله
وَيَخْتارُ
فذكر
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
إيماء إلى أنه أعلم بمخلوقاته . وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم . وجوز أن يكون
ما
من قوله
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
موصولة مفعولا لفعل
يَخْتارُ
وأن عائد الموصول مجرور ب ( في ) محذوفين . والتقدير : ويختار ما لهم فيه الخير ، أي يختار لهم من الرسل ما يعلم أنه صالح بهم لا ما يشتهونه من رجالهم . وجملة
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
استئناف مؤكد لمعنى القصر لئلا يتوهم أن الجملة قبله مفيدة مجرد التقوي . وصيغة
ما كانَ
تدل على نفي للكون يفيد أشد مما يفيد لو قيل : ما لهم الخيرة ، كما تقدم في قوله تعالى
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
في سورة مريم [ 64 ] . والابتداء بقوله
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
تمهيد للمقصود وهو قوله
وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
أي كما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار . و
الْخِيَرَةُ
بكسر الخاء وفتح التحتية : اسم لمصدر الاختيار مثل الطيرة اسم لمصدر