أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من اللّه إياهم ليعلنوا تنصلهم من ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملأ ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلا لما سمعوا قوله تعالى
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 98 ] . هذا ما انطوت عليه هذه الآية من المعاني .
وتقديم
إِيَّانا
على
يَعْبُدُونَ
دون أن يقال يعبدوننا للاهتمام بهذا التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة .
[ 64 ]
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 64 ]
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ( 64 )
هذا موجه إلى جميع الذين نودوا بقوله
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
[ القصص :
62 ] فإن ذلك النداء كان توبيخا لهم على اتخاذهم آلهة شركاء للّه تعالى . فلما شعروا بالمقصد من ندائهم وتصدى كبراؤهم للاعتذار عن اتخاذهم أتبع ذلك بهذا القول .
وأسند فعل القول إلى المجهول لأن الفاعل معلوم مما تقدم ، أي وقال اللّه . والأمر مستعمل في الإطماع لتعقب الإطماع باليأس .
وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين لأنهم الذين ادعوا لهم الشركة كما في آية الأنعام [ 94 ]
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ
. والدعاء دعاء الاستغاثة حسب زعمهم أنهم شفعاؤهم عند اللّه في الدنيا . وقوله
فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
هو محل التأييس المقصود من الكلام .
وأما قوله تعالى
وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ
فيحتمل معاني كثيرة فرضها المفسرون : وجماع أقوالهم فيها أخذا وردا أن نجمعها في أربعة وجوه :
أحدها : أن يكون عطفا على جملة
فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
. والرؤية بصرية ، والعذاب عذاب الآخرة ، أي أحضر لهم آلة العذاب ليعلموا أن شركاءهم لا يغنون عنهم شيئا .
وعلى هذا تكون جملة
لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ
مستأنفة ابتدائية مستقلة عن جملة
وَرَأَوُا الْعَذابَ
.
الثاني : أن تكون الواو للحال والرؤية أيضا بصرية والعذاب عذاب الآخرة ، أي وقد رأوا العذاب فارتبكوا في الاهتداء إلى سبيل الخلاص فقيل لهم : ادعوا شركاءكم