تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم لم يفد القول شيئا ، لأنه كقولك : الذي ضربته ضربته ، والتي أكرمتها أكرمتها ، ولكن لما اتصل ب
أَغْوَيْناهُمْ
الثانية قوله
كَما غَوَيْنا
أفاد الكلام كقولك : الذي ضربته ضربته لأنه جاهل . وقد كان أبو علي امتنع في هذه الآية مما اخترناه غير أن الأمر فيها عندي على ما عرفتك » اه . وقد تقدم بيان كلامه عند قوله تعالى
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
في سورة الإسراء [ 7 ] ، وقوله
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
في سورة الشعراء [ 130 ] ، وقوله
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
في سورة الفرقان [ 72 ] ، فإن تلك الآيات تطابق بيت الأحوص لاشتمالهن على ( إذا ) . و
كَما غَوَيْنا
صفة لمصدر ، أي إغواء يوقع في نفوسهم غيّا مثل الغي الذي في قلوبنا . ووجه الشبه في أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن المجيبين أغواهم مغوون قبلهم ، وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعة عنهم ويتوهمون أن السير على قدم الغاوين يبرر الغواية ، وهذا كما حكى عنهم في سورة الشعراء [ 96 ، 99 ] :
قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ
. وحذف مفعول فعل
أَغْوَيْنا
الأول وهو العائد من الصلة إلى الموصول لكثرة حذف أمثاله من كل عائد صلة هو ضمير نصب متصل وناصبه فعل أو وصف شبيه بالفعل ، لأن اسم الموصول مغن عن ذكره ودال عليه فكان حذف العائد اختصارا . وذكر مفعول فعل
أَغْوَيْناهُمْ
الثاني اهتماما بذكره لعدم الاستغناء عنه في الاستعمال . وجملة
تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ
استئناف . والتبرؤ : تفعل من البراءة وهي انتفاء ما يصم ، فالتبرؤ : معالجة إثبات البراءة وتحقيقها . وهو يتعدى إلى من يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف ( إلى ) الدال على الانتهاء المجازي ؛ يقال : إني أبرأ إلى اللّه من كذا ، أي أوجه براءتي إلى اللّه ، كما يتعدى إلى الشيء الذي يصم بحرف ( من ) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى
فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا
[ الأحزاب : 69 ] . وقد تدخل ( من ) على اسم ذات باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ
[ الأنفال : 48 ] أي من كفركم . والتقدير : من أعمالكم وشئونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها المقام أو من عدة أعمال . فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة
ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ
فهي بيان لإجمال التبرؤ . والمقصود : أنهم يتبرءون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 90 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور