وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ
[ الحج : 11 ] ولم تورد فيه جملة
وَمِنَ النَّاسِ
كما أوردت في ذكر الفريقين السابقين ويكون المقصود من الآية تهديد هذا الفريق . فيكون التعبير عن هذا الفريق بقوله
مَنْ كانَ يَظُنُّ
إلخ إظهارا في مقام الإضمار ؛ فإن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير ذلك الفريق فيقال بعد قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
[ الحج : 14 ] ،
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ
إلخ . . . عائدا الضمير المستتر في قوله
فَلْيَمْدُدْ
على
مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
[ الحج : 11 ] .
والعدول عن الإضمار إلى الإظهار لوجهين ، أحدهما : بعد معاد الضمير ، وثانيهما :
التنبيه على أنّ عبادته اللّه على حرف ناشئة عن ظنه أن لن ينصره اللّه في الدنيا والآخرة إن صمم على الاستمرار في اتباع الإسلام لأنه غير واثق بوعد النصر للمسلمين .
وضمير النصب في
يَنْصُرَهُ
عائد إلى
مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
[ الحج : 11 ] على كلا الاحتمالين .
واسم
السَّماءِ
مراد به المعنى المشهور على كلا الاحتمالين أيضا أخذا بما رواه القرطبي عن ابن زيد ( يعني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ) أنه قال في قوله تعالى :
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ
قال : هي السماء المعروفة ، يعني المظلة . فالمعنى : فلينط حبلا بالسماء مربوطا به ثم يقطعه فيسقط من السماء فيتمزق كل ممزق فلا يغني عنه فعله شيئا من إزالة غيظه .
ومفعول
لْيَقْطَعْ
محذوف لدلالة المقام عليه . والتقدير : ثم ليقطعه ، أي ليقطع السبب .
والأمر في قوله
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ
للتعجيز ، فيعلم أن تعليق الجواب على حصول شرط لا يقع كقوله تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا
[ الرحمن : 33 ] .
وأما استخراج معنى الآية من نظمها فإنها نسجت على إيجاز بديع ، شبهت حالة استبطان هذا الفريق الكفر وإظهارهم الإسلام على حنق ، أو حالة تردّدهم بين البقاء في المسلمين وبين الرجوع إلى الكفار بحالة المغتاظ مما صنع فقيل لهم : عليكم أن تفعلوا ما يفعله أمثالكم ممن ملأهم الغيظ وضاقت عليهم سبل الانفراج ، فامددوا حبلا بأقصى ما يمدّ إليه حبل ، وتعلّقوا به في أعلى مكان ثم قطعوه تخرّوا إلى الأرض ، وذلك تهكم بهم