تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
فأما المجوس فهم أهل دين يثبت إلهين : إلها للخير ، وإلها للشرّ ، وهم أهل فارس . ثم هي تتشعب شعبا تأوي إلى هذين الأصلين . وأقدم النحل المجوسية أسسها ( كيومرث ) الذي هو أول ملك بفارس في أزمنة قديمة يظن أنها قبل زمن إبراهيم عليه السلام ، ولذلك يلقب أيضا بلقب ( جل‌شاه ) « 1 » تفسيره : ملك الأرض . غير أن ذلك ليس مضبوطا بوجه علمي وكان عصر ( كيومرث ) يلقب ( زروان ) أي الأزل ، فكان أصل المجوسية هم أهل الديانة المسماة : الزروانية وهي تثبت إلهين هما ( يزدان ) و ( أهرمن ) . قالوا : كان يزدان منفردا بالوجود الأزلي ، وأنه كان نورانيا ، وأنه بقي كذلك تسعة آلاف وتسعين سنة ثم حدث له خاطر في نفسه : أنه لو حدث له منازع كيف يكون الأمر فنشأ من هذا الخاطر موجود جديد ظلماني سمي ( أهرمن ) وهو إله الظلمة مطبوعا على الشرّ والضرّ . وإلى هذا أشار أبو العلاء المعرّي بقوله في لزومياته :
قال أناس باطل زعمهم * فراقبوا اللّه ولا تزعمن
فكّر يزدان على غرّة * فصيغ من تفكيره أهرمن
فحدث بين ( أهرمن ) وبين ( يزدان ) خلاف ومحاربة إلى الأبد . ثمّ نشأت على هذا الدّين نحل خصّت بألقاب وهي متقاربة التعاليم أشهرها نحلة ( زرادشت ) الذي ظهر في القرن السادس قبل ميلاد المسيح ، وبه اشتهرت المجوسية . وقد سمي إله الخير ( أهورامزدا ) أو ( أرمزد ) أو ( هرمز ) ، وسمي إله الشرّ ( أهرمن ) ، وجعل إله الخير نورا ، وإله الشر ظلمة . ثم دعا الناس إلى عبادة النار على أنها مظهر إله الخير وهو النّور . ووسّع شريعة المجوسية ، ووضع لها كتابا سمّاه « زندافستا » . ومن أصول شريعته تجنّب عبادة التماثيل . ثم ظهرت في المجوس نحلة « المانوية » ، وهي المنسوبة إلى ( ماني ) الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير ملك الفرس بين سنة 238 وسنة 271 م . وظهرت في المجوس نحلة ( المزدكية ) ، وهي منسوبة إلى ( مزدك ) الذي ظهر في زمن قباذ بين سنة 487 وسنة 523 م . وهي نحلة قريبة من ( المانوية ) ، وهي آخر نحلة ظهرت في تطور المجوسيّة قبل الفتح الإسلامي لبلاد الفرس .
هامش
( 1 ) لعل صواب العبارة « جهان‌شاه » .