تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
جملة في موضع حال ثانية ، ومضمونها ارتقاء في تضليل عابدي الأصنام . فبعد أن بيّن لهم أنهم يعبدون ما لا غناء لهم فيه زاد فبين أنهم يعبدون ما فيه ضر . فموضع الارتقاء هو مضمون جملة
ما لا يَضُرُّهُ
[ الحج : 12 ] كأنه قيل : ما لا يضره بل ما ينجر له منه ضرّ . وذلك أن عبادة الأصنام تضرّه في الدنيا بالتوجه عند الاضطرار إليها فيضيع زمنه في تطلب ما لا يحصل وتضره في الآخرة بالإلقاء في النار . ولما كان الضر الحاصل من الأصنام ليس ضرا ناشئا عن فعلها بل هو ضر ملابس لها أثبت الضر بطريق الإضافة للضمير دون طريق الإسناد إذ قال تعالى :
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
ولم يقل : لمن يضر ولا ينفع ، لأن الإضافة أوسع من الإسناد فلم يحصل تناف بين قوله
ما لا يَضُرُّهُ
[ الحج : 12 ] وقوله
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
. وكونه أقرب من النفع كناية عن تمحّضه للضرّ وانتفاء النفع منه لأن الشيء الأقرب حاصل قبل البعيد فيقتضي أن لا يحصل معه إلّا الضر . واللام في قوله
لَمَنْ
لام الابتداء ، وهي تفيد تأكيد مضمون الجملة الواقعة بعدها ، فلام الابتداء تفيد مفاد ( إنّ ) من التأكيد . وقدمت من تأخير إذ حقها أن تدخل على صلة ( من الموصولة . والأصل : يدعو من لضره أقرب من نفعه ) . ويجوز أن تعتبر اللام داخلة على ( من ) الموصولة ويكون فعل
يَدْعُوا
معلقا عن العمل لدخول لام الابتداء بناء على الحق من عدم اختصاص التعليق بأفعال القلوب . وجملة
لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
إنشاء ذم للأصنام التي يدعونها بأنها شر الموالي وشر العشراء لأن شأن المولى جلب النفع لمولاه ، وشأن العشير جلب الخير لعشيره فإذا تخلف ذلك منهما نادرا كان مذمة وغضاضة ، فأما أن يكون ذلك منه مطردا فذلك شر الموالي . [ 14 ]

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 14 ]

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 14 ) هذا مقابل قوله
وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ
[ الحج : 9 ] وقوله :
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
[ الحج : 11 ] . فالجملة معترضة ، وقد اقتصر على ذكر ما للمؤمنين من ثواب