تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
والمعنى : استمر على التوحيد فرحا بالخير الذي أصابه ، واستقرار مثل هذا على الإيمان يصيره مؤمنا إذا زال عنه التردد . وحال هؤلاء قريب من حال المؤلّفة قلوبهم . والانقلاب : مطاوع قلبه إذا كبّه ، أي ألقاه على عكس ما كان عليه بأن جعل ما كان أعلاه أسفله كما يقلب القالب - بفتح اللام - . فالانقلاب مستعمل في حقيقته ، والكلام تمثيل . وتفسيرنا الانقلاب هنا بهذا المعنى هو المناسب لقوله
عَلى وَجْهِهِ
أي سقط وانكب عليه ، كقول امرئ القيس : يكب على الأذقان دوح الكنهبل وكقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا كبّه اللّه على وجهه » . وحرف الاستعلاء ظاهر وهو أيضا الملائم لتمثيل أول حاله بحال من هو على حرف . ويطلق الانقلاب كثيرا على الانصراف من الجهة التي أتاها إلى الجهة التي جاء منها ، وهو مجاز شائع وبه فسر المفسرون . ولا يناسب اعتباره هنا لأن مثله يقال فيه : انقلب على عقبيه لا على وجهه ، كما قال تعالى :
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
[ البقرة : 143 ] إذ الرجوع إنما يكون إلى جهة غير جهة الوجه . والفتنة : اضطراب الحال وقلق البال من حدوث شر لا مدفع له ، وهي مقابل الخير . وجملة
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
بدل اشتمال من جملة
انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
. وجملة
ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
معترضة بين جملة
انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
وجملة
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الحج : 12 ] التي هي في موضع الحال من ضمير
انْقَلَبَ
أي أسقط في الشرك . والخسران : تلف جزء من أصل مال التجارة ، فشبه نفع الدنيا ونفع الآخرة بمال التاجر الساعي في توفيره لأن الناس يرغبون تحصيله ، وثني على ذلك إثبات الخسران لصاحبه الذي هو من مرادفات مال التجارة المشبه به ، فشبه فوات النفع المطلوب بخسارة المال . وتعليق الخسران بالدنيا والآخرة على حذف مضاف . والتقدير خسر خير الدنيا وخير