تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وفي رواية الحسن : أنها نزلت في المنافقين يعني المنافقين من الذين كانوا مشركين مثل : عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وهذا بعيد لأنّ أولئك كانوا مبطنين الكفر فلا ينطبق عليهم قوله
فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ
. وممن يصلح مثالا لهذا الفريق العرنيّون الذين أسلموا وهاجروا فاجتووا المدينة ، فأمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يلحقوا براعي إبل الصدقة خارج المدينة فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يصحوا فلمّا صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذّود وفروا ، فألحق بهم النبي صلى اللّه عليه وسلم الطلب في أثرهم حتى لحقوا بهم فأمر بهم فقتلوا . و في حديث « الموطأ » : أن أعرابيا أسلم وبايع النبي صلى اللّه عليه وسلم فأصابه وعك بالمدينة ، فجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يستقيله بيعته فأبى أن يقيله ، فخرج من المدينة فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها » فجعله خبثا لأنه لم يكن مؤمنا ثابتا . وذكر الفخر عن مقاتل أن نفرا من أسد وغطفان قالوا : نخاف أن لا ينصر اللّه محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا فنزل فيهم قوله تعالى :
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ
[ الحج : 15 ] الآيات . وعن الضحاك : أن الآية نزلت في المؤلفة قلوبهم ، منهم : عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعبّاس بن مرداس قالوا : ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيرا عرفنا أنه حق ، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل . وهذا كله ناشئ عن الجهل وتخليط الأسباب الدنيوية بالأسباب الأخروية ، وجعل المقارنات الاتفاقية كالمعلومات اللزومية . وهذا أصل كبير من أصول الضلالة في أمور الدين وأمور الدنيا . ولنعم المعبّر عن ذلك قوله تعالى
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
إذ لا يهتدي إلى تطلب المسببات من أسبابها . وحرف الشيء طرفه وجانبه سواء كان مرتفعا كحرف الجبل والوادي أم كان مستويا كحرف الطريق . ويطلق الحرف على طرف الجيش ويجمع على طرف بوزن عنب قال في « القاموس » : ولا نظير له سوى طل وطلل . وقوله تعالى :
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
تمثيل لحال المتردد في عمله ، يريد تجربة عاقبته بحال من يمشي على حرف جبل أو حرف واد فهو متهيّئ لأن يزل عنه إلى أسفله فينقلب ، أي ينكب . ومعنى اطمأن : استقر وسكن في مكانه . ومصدره الاطمئنان واسم المصدر الطمأنينة . وتقدم في قوله تعالى :
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
في [ سورة البقرة : 260 ] .