تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
والعطف : المنكب والجانب . و
ثانِيَ عِطْفِهِ
تمثيل للتكبر والخيلاء . ويقال : لوى جيده ، إذا أعرض تكبرا . وهذه الصفة تنطبق على حالة أبي جهل فلذلك قيل إنه المراد هنا . واللام في قوله
لِيُضِلَّ
لتعليل المجادلة ، فهو متعلّق ب
يُجادِلُ
أي غرضه من المجادلة الإضلال . وسبيل اللّه : الدّين الحق . وقوله
لِيُضِلَّ
- بضم الياء - أي ليضلل الناس بجداله . فهذا المجادل يريد بجدله أن يوهم العامة بطلان الإسلام كيلا يتبعوه . وإفراد الضمير في قوله
عِطْفِهِ
وما ذكر بعده مراعاة للفظ ( من ) وإن كان معنى تلك الضمائر الجمع . وخزي الدنيا : الإهانة ، وهو ما أصابهم من القتل يوم بدر ومن القتل والأسر بعد ذلك . وهؤلاء هم الذين لم يسلموا بعد . وينطبق الخزي على ما حصل لأبي جهل يوم بدر من قتله بيد غلامين من شباب الأنصار وهما ابنا عفراء . وباعتلاء عبد اللّه بن مسعود على صدره وذبحه وكان في عظمته لا يخطر أمثال هؤلاء الثلاثة بخاطره . وينطبق الخزي أيضا على ما حلّ بالنضر بن الحارث من الأسر يوم بدر وقتله صبرا في موضع يقال له : الأثيل قرب المدينة عقب وقعة بدر كما وصفته أخته قتيلة في رثائه من قصيدة :
صبرا يقاد إلى المنية متعبا * صبر المقيّد وهو عان موثق
وإذ كانت هذه الآية ونظيرتها التي سبقت مما نزل بمكة لا محالة كان قوله تعالى :
لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
من الإخبار بالغيب وهو من معجزات القرآن . وإذاقة العذاب تخييل للمكنيّة . وجملة
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
مقول قول محذوف تدل عليه صيغة الكلام وهي جملة مستأنفة ، أو في موضع الحال من ضمير النصب في قوله تعالى
وَنُذِيقُهُ
. و
قَدَّمَتْ
بمعنى : أسلفت . جعل كفره كالشئ الذي بعث به إلى دار الجزاء قبل أن يصل هو إليها فوحده يوم القيامة حاضرا ينتظره قال تعالى :
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا