تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
والمقصود منها التنويه بالقرآن والعناية به لينتقل من ذلك إلى الكناية بأن الذي أنزله عليك بهذه المثابة لا يترك نصرك وتأييدك . والعدول عن اسم الجلالة أو عن ضميره إلى الموصولية لما تؤذن به الصلة من تحتم إفراده بالعبادة ، لأنه خالق المخاطبين بالقرآن وغيرهم مما هو أعظم منهم خلقا ، ولذلك وصف والسّماوات بالعلى صفة كاشفة زيادة في تقرير معنى عظمة خالقها . وأيضا لمّا كان ذلك شأن منزل القرآن لا جرم كان القرآن شيئا عظيما ، كقول الفرزدق :
إنّ الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعزّ وأطول
و
الرَّحْمنُ
يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف لازم الحذف تبعا للاستعمال في حذف المسند إليه كما سماه السكّاكي . ويجوز أن يكون مبتدأ . واختير وصف
الرَّحْمنُ
لتعليم النّاس به لأن المشركين أنكروا تسميته تعالى الرحمن :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ
[ الفرقان : 60 ] . وفي ذكره هنا وكثرة التذكير به في القرآن بعث على إفراده بالعبادة شكرا على إحسانه بالرحمة البالغة . وجملة
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
حال من
الرَّحْمنُ
. أو خبر ثان عن المبتدأ المحذوف . والاستواء : الاستقرار ، قال تعالى :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[ المؤمنون : 28 ] الآية . وقال :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
[ هود : 44 ] . والعرش : عالم عظيم من العوالم العليا ، فقيل هو أعلى سماء من السماوات وأعظمها . وقيل غير ذلك ، ويسمى : الكرسي أيضا على الصحيح ، وقيل : الكرسي غير العرش . وأيّا ما كان فذكر الاستواء عليه زيادة في تصوير عظمة اللّه تعالى وسعة سلطانه بعد قوله :
مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى
. وأما ذكر الاستواء فتأويله أنه تمثيل لشأن عظمة اللّه بعظمة أعظم الملوك الذين يجلسون على العروش . وقد عرف العرب من أولئك ملوك الفرس وملوك الروم وكان هؤلاء مضرب الأمثال عندهم في العظمة . وحسّن التعبير بالاستواء مقارنته بالعرش الذي هو ممّا يستوى عليه في المتعارف ، فكان ذكر الاستواء كالترشيح لإطلاق العرش على السماء العظمى ، فالآية من المتشابه
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 96 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور