تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
والمعنى : إنه يعلم السر وأخفى من السرّ في الأحوال التي يجهر فيها القائل بالقول لإسماع مخاطبه ، أي فهو لا يحتاج إلى الجهر لأنه يعلم السر وأخفى . وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة . وذلك في كل شرط لا يقصد به التعليق بل يقصد التحقيق كقول أبي كبير الهذيلي :
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا * سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
أي سهدا في كلّ وقت حين ينام غيره ممن هو هوجل . وقول بشامة بن حزن النهشلي :
إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم * حدّ الظبات وصلناها بأيدينا
وقول إبراهيم بن كنيف النبهاني :
فإن تكن الأيام جالت صروفها * ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل
فما ليّنت منا قناة صليبة * وما ذللتنا للّتي ليس تجمل
وقول القطامي :
فمن تكن الحضارة أعجبته * فأيّ رجال بادية ترانا
فالخطاب في قوله
وَإِنْ تَجْهَرْ
يجوز أن يكون خطابا للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يعم غيره . ويجوز أن يكون لغير معيّن ليعم كلّ مخاطب . واختير في إثبات سعة علم اللّه تعالى خصوص علمه بالمسموعات لأنّ السر أخفى الأشياء عن علم الناس في العادة . ولمّا جاء القرآن مذكرا بعلم اللّه تعالى توجهت أنظار المشركين إلى معرفة مدى علم اللّه تعالى وتجادلوا في ذلك في مجامعهم . وفي « صحيح البخاري » عن عبد اللّه بن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال أحدهم : أترون أنّ اللّه يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ! وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا ( أي وهو بعيد عنا ) فإنه يسمع إذا أخفينا . فأنزل اللّه تعالى :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ فصلت : 22 ] . وقد كثر في القرآن أنّ اللّه يعلم ما يسرّ الناس وما يعلنون ولا أحسب هذه الآية إلا ناظرة إلى مثل ما نظرت الآية الآنفة الذكر . وقال تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ