تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
ويجوز أن تكون الياء من السامريّ غير ياء نسب بل حرفا من اسم مثل : ياء عليّ وكرسيّ ، فيكون اسما أصليا أو منقولا في العبرانية ، وتكون اللّام في أوّله زائدة . وذكر الزمخشري والقرطبي خليطا من القصة : أن السامريّ اسمه موسى بن ظفر - بفتح الظاء المعجمة وفتح الفاء - وأنه ابن خالة موسى - عليه السلام - أو ابن خاله ، وأنه كفر بدين موسى بعد أن كان مؤمنا به ، وزاد بعضهم على بعض تفاصيل تشمئزّ النفس منها . واعلم أن السامريين لقب لطائفة من اليهود يقال لهم أيضا السامرة ، لهم مذهب خاص مخالف لمذهب جماعة اليهوديّة في أصول الدّين ، فهم لا يعظمون بيت المقدس وينكرون نبوءة أنبياء بني إسرائيل عدا موسى وهارون ويوشع ، وما كانت هذه الشذوذات فيهم إلّا من بقايا تعاليم الإلحاد التي كانوا يتلقونها في مدينة السامرة المبنيّة على التساهل والاستخفاف بأصول الدين والترخّص في تعظيم آلهة جيرتهم الكنعانيين أصهار ملوكهم ، ودام ذلك الشذوذ فيهم إلى زمن عيسى - عليه السلام - ففي إنجيل متى إصحاح 10 وفي إنجيل لوقا إصحاح 9 ما يقتضي أن بلدة السامريين كانت منحرفة على اتباع المسيح ، وأنه نهى الحواريين عن الدخول إلى مدينتهم . ووقعت في كتاب الخروج من التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين زلّة كبرى ، إذ زعموا أنّ هارون صنع العجل لهم لمّا قالوا له : « اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأنا لا نعلم ما ذا أصاب موسى في الجبل فصنع لهم عجلا من ذهب » . وأحسب أنّ هذا من آثار تلاشي التّوراة الأصلية بعد الأسر البابلي ، وأن الذي أعاد كتبها لم يحسن تحرير هذه القصة . ومما نقطع به أنّ هارون معصوم من ذلك لأنه رسول . [ 86 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 86 ]

فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) الغضب : انفعال للنفس وهيجان ينشأ عن إدراك ما يسوؤها ويسخطها دون خوف ، والوصف منه غضبان . والأسف : انفعال للنفس ينشأ من إدراك ما يحزنها وما تكرهه مع انكسار الخاطر . والوصف منه أسف . وقد اجتمع الانفعالان في نفس موسى لأنه يسوؤه وقوع ذلك في أمته وهو لا يخافهم ، فانفعاله المتعلّق بحالهم غضب ، وهو أيضا يحزنه وقوع ذلك وهو في
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 163 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور