لقوله في سورة النساء [ 109 ] :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ
، وتجريد اسم الإشارة من هاء التنبيه استعمال جائز وأقل منه استعماله بحرف التنبيه مع الضمير دون اسم الإشارة ، نحو قول عبد بني الحسحاس :
ها أنا دون الحبيب يا وجع وتقدّم عند قوله تعالى :
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ
في سورة آل عمران [ 119 ] .
وإسناد الفتن إلى اللّه باعتبار أنه مقدّره وخالق أسبابه البعيدة . وأمّا إسناده الحقيقي فهو الذي في قوله
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
لأنه السبب المباشر لضلالهم المسبب لفتنتهم .
و
السَّامِرِيُّ
يظهر أن ياءه ياء نسبة ، وأن تعريفه باللّام للعهد . فأما النسبة فأصلها في الكلام العربي أن تكون إلى القبائل والعشائر ؛ فالسامريّ نسب إلى اسم أبي قبيلة من بني إسرائيل أو غيرهم يقارب اسمه لفظ سامر ، وقد كان من الأسماء القديمة ( شومر ) و ( شامر ) وهما يقاربان اسم سامر لا سيما مع التعريب . وفي « أنوار التنزيل » : « السامريّ نسبة إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها : السامرة » اه . أخذنا من كلام البيضاوي أن السامريّ منسوب إلى قبيلة وأما قوله « من بني إسرائيل » فليس بصحيح . لأنّ السامرة أمّة من سكان فلسطين في جهة نابلس في عهد الدولة الروميّة ( البيزنطية ) وكانوا في فلسطين قبل مصير فلسطين بيد بني إسرائيل ثمّ امتزجوا بالإسرائيليين واتبعوا شريعة موسى - عليه السلام - مع تخالف في طريقتهم عن طريقة اليهود . فليس هو منسوبا إلى مدينة السامرة القريبة من نابلس لأنّ مدينة السامرة بناها الملك ( عمري ) ملك مملكة إسرائيل سنة 925 قبل المسيح . وجعلها قصبة مملكته ، وسماها ( شوميرون ) لأنّه بناها على جبل اشتراه من رجل اسمه ( شامر ) بوزنتين من الفضة ، فعرّبت في العربية إلى سامرة ، وكان اليهود يعدونها مدينة كفر وجور ، لأنّ ( عمري ) بانيها وابنه ( آخاب ) قد أفسدا ديانة التّوراة وعبدا الأصنام الكنعانية . وأمر اللّه النبي إلياس بتوبيخهما والتثوير عليهما ، فلا جرم لم تكن موجودة زمن موسى ولا كانت ناحيتها من أرض بني إسرائيل زمن موسى - عليه السلام - .
ويحتمل أن يكون السامريّ نسبا إلى قرية اسمها السامرة من قرى مصر ، كما قال بعض أهل التفسير ، فيكون فتى قبطيا اندس في بني إسرائيل لتعلّقه بهم في مصر أو لصناعة يصنعها لهم . وعن سعيد بن جبير : كان السامريّ من أهل ( كرمان ) ، وهذا يقرّب أن يكون السامريّ تعريب كرماني بتبديل بعض الحروف وذلك كثير في التعريب .