تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
وهنا انتهى تكليم اللّه تعالى موسى - عليه السلام - . [ 45 - 48 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) فصلت الجملتان لوقوعهما موقع المحاورة بين موسى مع أخيه وبين اللّه تعالى على كلا الوجهين اللذين ذكرناهما آنفا ، أي جمعا أمرهما وعزم موسى وهارون على الذهاب إلى فرعون فناجيا ربّهما
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى
، لأنّ غالب التفكير في العواقب والموانع يكون عند العزم على الفعل ، والأخذ في التهيّؤ له ، ولذلك أعيد أمرهما بقوله تعالى :
فَأْتِياهُ
. و
يَفْرُطَ
معناه يعجّل ويسبق ، يقال : فرط يفرط من باب نصر . والفارط : الذي يسبق الواردة إلى الحوض للشرب . والمعنى : نخاف أن يعجّل بعقابنا بالقتل أو غيره من العقوبات قبل أن نبلغه ونحجّه . والطغيان : التظاهر بالتكبر . وتقدم آنفا عند قوله
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
[ طه : 24 ] ، أي نخاف أن يخامره كبره فيعدّ ذكرنا إلها دونه تنقيصا له وطعنا في دعواه الإلهية فيطغى ، أي يصدر منه ما هو أثر الكبر من التحقير والإهانة . فذكر الطغيان بعد الفرط إشارة إلى أنّهما لا يطيقان ذلك ، فهو انتقال من الأشدّ إلى الأضعف لأن نخاف يؤول إلى معنى النفي . وفي النفي يذكر الأضعف بعد الأقوى بعكس الإثبات ما لم يوجد ما يقتضي عكس ذلك . وحذف متعلّق
يَطْغى
فيحتمل أن حذفه لدلالة نظيره عليه ، وأوثر بالحذف لرعاية الفواصل . والتقدير : أو أن يطغى علينا . ويحتمل أن متعلّقه ليس نظير المذكور قبله بل هو متعلّق آخر لكون التقسيم التقديري دليلا عليه ، لأنهما لما ذكر متعلّق
يَفْرُطَ عَلَيْنا
وكان الفرط شاملا لأنواع العقوبات حتى الإهانة بالشتم لزم أن يكون التقسيم ب « أو » منظورا فيه إلى حالة أخرى وهي طغيانه على من لا يناله عقابه ، أي أن يطغى على اللّه بالتنقيص كقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
[ القصص : 38 ] وقوله :
لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى
[ القصص : 38 ] ، فحذف متعلق
يَطْغى
حينئذ لتنزيهه عن التصريح به في هذا المقام . والتقدير : أو أن يطغى عليك فيتصلّب في كفره ويعسر صرفه عنه . وفي التحرز من ذلك