تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
غيرة على جانب اللّه تعالى ، وفيه أيضا تحرز من رسوخ عقيدة الكفر في نفس الطاغي فيصير الرجاء في إيمانه بعد ذلك أضعف منه فيما قبل ، وتلك مفسدة في نظر الدّين . وحصلت مع ذلك رعاية الفاصلة . قال اللّه
لا تَخافا
، أي لا تخافا حصول شيء من الأمرين ، وهو نهي مكنى به عن نفي وقوع المنهي عنه . وجملة
إِنَّنِي مَعَكُما
تعليل للنهي عن الخوف الذي هو في معنى النفي ، والمعيّة معيّة حفظ . و
أَسْمَعُ وَأَرى
حالان من ضمير المتكلم ، أي أنا حافظكما من كل ما تخافانه ، وأنا أعلم الأقوال والأعمال فلا أدع عملا أو قولا تخافانه . ونزل فعلا
أَسْمَعُ وَأَرى
منزلة اللازمين إذ لا غرض لبيان مفعولهما بل المقصود : أني لا يخفى عليّ شيء . وفرع عليه إعادة الأمر بالذهاب إلى فرعون . والإتيان : الوصول والحلول ، أي فحلّا عنده ، لأنّ الإتيان أثر الذهاب المأمور به في الخطاب السابق ، وكانا قد اقتربا من مكان فرعون لأنهما في مدينته ، فلذا أمرا بإتيانه ودعوته . وجاءت تثنية رسول على الأصل في مطابقة الوصف الذي يجري عليه في الإفراد وغيره . وفعول الذي بمعنى مفعول تجوز فيه المطابقة ، كقولهم ناقة طروقة الفحل ، وعدم المطابقة كقولهم : وحشية خلوج ، أي اختلج ولدها . وجاء الوجهان في نحو ( رسول ) وهما وجهان مستويان . ومن مجيئه غير مطابق قوله تعالى في سورة الشعراء [ 16 ] :
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
وسيجيء تحقيق ذلك هنالك إن شاء اللّه . وأدخل فاء التفريع على طلب إطلاق بني إسرائيل لأنّه جعل طلب إطلاقهم كالمستقرّ المعلوم عند فرعون ؛ إما لأنّه سبقت إشاعة عزمهما على الحضور عند فرعون لذلك المطلب ، وإما لأنه جعله لأهميته كالمقرّر . وتفريع ذلك على كونهما مرسلين من اللّه ظاهر ، لأنّ المرسل من اللّه تجب طاعته . وخصّا الربّ بالإضافة إلى ضمير فرعون قصدا لأقصى الدعوة ، لأنّ كون اللّه ربّهما
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 126 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور