تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وجملة
إِنَّهُ طَغى
تعليل للأمر بأن يذهبا إليه . فعلم أنه لقصد كفّه عن طغيانه . وفعل
طَغى
رسم في المصحف آخره ألفا ممالة ، أي بصورة الياء للإشارة إلى أنّه من طغي مثل رضي . ويجوز فيه الواو فيقال : يطغو مثل يدعو . والقول الليّن : الكلام الدال على معاني الترغيب والعرض واستدعاء الامتثال ، بأن يظهر المتكلّم للمخاطب أنّ له من سداد الرأي ما يتقبّل به الحق ويميّز به بين الحق والباطل مع تجنب أن يشتمل الكلام على تسفيه رأي المخاطب أو تجهيله . فشبه الكلام المشتمل على المعاني الحسنة بالشيء الليّن . واللين ، حقيقة من صفات الأجسام ، وهو : رطوبة ملمس الجسم وسهولة ليّه ، وضد الليّن الخشونة . ويستعار الليّن لسهولة المعاملة والصفح . وقال عمرو بن كلثوم :
فإن قناتنا يا عمرو أعيت * على الأعداء قبلك أن تلينا
واللين من شعار الدعوة إلى الحق ، قال تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] وقال :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
[ آل عمران : 159 ] . ومن اللين في دعوة موسى لفرعون قوله تعالى :
فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى
[ النازعات : 18 ، 19 ] وقوله :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
[ الكهف : 47 ] ، إذ المقصود من دعوة الرسل حصول الاهتداء لا إظهار العظمة وغلظة القول بدون جدوى . فإذا لم ينفع اللين مع المدعوّ وأعرض واستكبر جاز في موعظته الإغلاظ معه ، قال تعالى :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
[ العنكبوت : 46 ] ، وقال تعالى عن موسى :
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
[ طه : 48 ] . والتّرجي المستفاد من ( لعلّ ) إما تمثيل لشأن اللّه في دعوة فرعون بشأن الراجي ، وإما أن يكون إعلاما لموسى وفرعون بأن يرجوا ذلك ، فكان النطق بحرف الترجي على لسانهما ، كما تقول للشخص إذا أشرت عليه بشيء : فلعلّه يصادفك تيسير ، وأنت لا تريد أنّك ترجو ذلك ولكن بطلب رجاء من المخاطب . وقد تقدمت نظائره في القرآن غير مرّة . والتذكّر : من الذّكر - بضم الذال - أي النظر ، أي لعلّه ينظر نظر المتبصّر فيعرف الحق أو يخشى حلول العقاب به فيطيع عن خشية لا عن تبصر . وكان فرعون من أهل الطغيان واعتقاد أنه على الحق ، فالتذكر : أن يعرف أنه على الباطل ، والخشية : أن يتردد في ذلك فيخشى أن يكون على الباطل فيحتاط لنفسه بالأخذ بما دعاه إليه موسى .