تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
المصادفة ، فيكون غير ملائم أو في ملاءمته خلل ، قال النّابغة :
فريع قلبي وكانت نظرة عرضت * يوما وتوفيق أقدار لأقدار
أي موافقة ما كنت أرغبه . فقوله
ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى
يفيد أنّ ما حصل لموسى من الأحوال كان مقدّرا من اللّه تقديرا مناسبا متدرجا ، بحيث تكون أعماله وأحواله قد قدّرها اللّه وحددها تحديدا منظما لأجل اصطفائه وما أراد اللّه من إرساله ، فالقدر هنا كناية عن العناية بتدبير إجراء أحواله على ما يسفر عن عاقبة الخير . فهذا تقدير خاص ، وهو العناية بتدرج أحواله إلى أن بلغ الموضع الذي كلّمه اللّه منه . وليس المراد القدر العام الذي قدّره اللّه لتكوين جميع الكائنات ، فإن ذلك لا يشعر بمزية لموسى - عليه السلام - . وقد انتبه إلى هذا المعنى جرير بذوقه السليم فقال في مدح عمر بن عبد العزيز :
أتى الخلافة إذ كانت له قدرا * كما أتى ربّه موسى على قدر
ومن هنا ختم الامتنان بما هو الفذلكة ، وذلك جملة
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
الذي هو بمنزلة ردّ العجز على الصدر على قوله
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ
الآية ، وهو تخلص بديع إلى الغرض المقصود وهو الخطاب بأعمال الرسالة المبتدأ من قوله :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
[ طه : 13 ] ومن قوله :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
[ طه : 24 ] . والاصطناع : صنع الشيء باعتناء . واللام للأجل ، أي لأجل نفسي . والكلام تمثيل لهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئا لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه . [ 42 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 42 ]

اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ( 42 ) رجوع إلى المقصد بعد المحاورة ، فالجملة بيان لجملة :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
، أو هي استئناف بياني لأن قوله :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] يؤذن بأنه اختاره وأعدّه لأمر عظيم ، لأنّ الحكيم لا يتّخذ شيئا لنفسه إلّا مريدا جعله مظهرا لحكمته ، فيترقب المخاطب تعيينها ، وقد أمره هنا بالذهاب إلى فرعون وأن يذهب أخوه معه . ومعنى