أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
.
لمّا كان معظم أغراض هذه السورة زجر المشركين عن الإشراك وتوابعه وإنذارهم بسوء عاقبة ذلك ، وكان قد تكرّر وعيدهم من قبل في آيات كثيرة بيوم يكون الفارق بين الحق والباطل فتزول فيه شوكتهم وتذهب شدّتهم . وكانوا قد استبطئوا ذلك اليوم حتى اطمأنوا أنه غير واقع فصاروا يهزءون بالنبيء - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين فيستعجلون حلول ذلك اليوم .
صدّرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حلّ ذلك المتوعد به .
فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحقق الوقوع بقرينة تفريع
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
، لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد .
والأمر : مصدر بمعنى المفعول ، كالوعد بمعنى الموعود ، أي ما أمر اللّه به . والمراد من الأمر به تقديره وإرادة حصوله في الأجل المسمّى الذي تقتضيه الحكمة .
وفي التعبير عنه بأمر اللّه إبهام يفيد تهويله وعظمته لإضافته لمن لا يعظم عليه شيء .
وقد عبّر عنه تارات بوعد اللّه ومرّات بأجل اللّه ونحو ذلك .
والخطاب للمشركين ابتداء لأن استعجال العذاب من خصالهم ، قال تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
[ سورة الحج : 47 ] .
ويجوز أن يكون شاملا للمؤمنين لأن عذاب اللّه وإن كان الكافرون يستعجلون به تهكّما لظنّهم أنه غير آت ، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ويحبّون تعجيله للكافرين .
فجملة
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
تفريع على
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
وهي من المقصود بالإنذار .
والاستعجال : طلب تعجيل حصول شيء ، فمفعوله هو الذي يقع التعجيل به .
ويتعدّى الفعل إلى أكثر من واحد بالباء فقالوا : استعجل بكذا . وقد مضى في سورة الأنعام [ 57 ] قوله تعالى :
ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ
.
فضمير
تَسْتَعْجِلُوهُ
إما عائد إلى اللّه تعالى ، أي فلا تستعجلوا اللّه . وحذف المتعلق ب
تَسْتَعْجِلُوهُ
لدلالة قوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
عليه . والتقدير فلا تستعجلوا اللّه بأمره ، على نحو قوله تعالى :
سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
[ سورة الأنبياء : 37 ] .