تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وقيل الضمير عائد إلى
أَمْرُ اللَّهِ
، وعليه تكون تعدية فعل الاستعجال إليه على نزع الخافض . والمراد من النهي هنا دقيق لم يذكروه في موارد صيغ النهي . ويجدر أن يكون للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية ، أي لا جدوى في استعجاله لأنه لا يعجّل قبل وقته المؤجّل له .
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها المقصود من الوعيد ، إذ الوعيد والزّجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك ، فكانت جملة
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
كالمقدمة ، وجملة
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
كالمقصد . و ( ما ) في قوله :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
مصدرية ، أي عن إشراكهم غيره معه . وقرأ الجمهور
يُشْرِكُونَ
بالتحتية على طريقة الالتفات ، فعدل عن الخطاب ليختص التبرؤ من شأنهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة . وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعا لقوله :
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
. [ 2 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 2 ]

يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) كان استعجالهم بالعذاب استهزاء بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وتكذيبه ، وكان ناشئا عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر . وأتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه اللّه عن الشريك فقفّي ذلك بتبرئة الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الكذب فيما يبلغه عن ربّه ووصف لهم الإرسال وصفا موجزا . وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد . والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل - عليه السلام - . والروح : الوحي . أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحقّ ، فشبّه الوحي بالروح كما يشبّه العلم الحقّ بالحياة ، وكما يشبّه الجهل بالموت قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ سورة الأنعام : 122 ] .