تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
مما لقيه عموم المسلمين . فصبره ليس كالمعتاد ، لذلك كان حصوله بإعانة من اللّه . وحذره من الحزن عليهم أن لم يؤمنوا كقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ سورة الشعراء : 3 ] . ثم أعقبه بأن لا يضيق صدره من مكرهم ، وهذه أحوال مختلفة تحصل في النفس باختلاف الحوادث المسببة لها ، فإنهم كانوا يعاملون النبي مرة بالأذى علنا ، ومرة بالإعراض عن الاستماع إليه وإظهار أنهم يغيظونه بعدم متابعته ، وآونة بالكيد والمكر له وهو تدبير الأذى في خفاء . والضيق - بفتح الضّاد وسكون الياء - مصدر ضاق ، مثل السّير والقول . وبها قرأ الجمهور . ويقال : الضيق - بكسر الضاد - مثل : القيل . وبها قرأ ابن كثير . وتقدم عند قوله :
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
[ سورة هود : 12 ] . والمراد ضيق النفس ، وهو مستعار للجزع والكدر ، كما استعير ضدّه وهو السعة والاتّساع للاحتمال والصبر . يقال : فلان ضيق الصدر ، قال تعالى في آخر الحجر
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ
[ سورة الحجر : 97 ] . ويقال سعة الصدر . والظرفية في
ضَيْقٍ
مجازية ، أي لا يلابسك ضيق ملابسة الظرف للحال فيه . و
ما
مصدرية ، أي من مكرهم . واختير الفعل المنسبك إلى مصدر لما يؤذن به الفعل المضارع من التجدّد والتكرّر . [ 128 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 128 ]

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) تعليل للأمر بالاقتصار على قدر الجرم في العقوبة ، وللتّرغيب في الصبر على الأذى ، والعفو عن المعتدين ، ولتخصيص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالأمر بالصبر ، والاستعانة على تحصيله بمعونة اللّه تعالى ، ولصرف الكدر عن نفسه من جرّاء أعمال الذين لم يؤمنوا به . علّل ذلك كله بأن اللّه مع الذين يتّقونه فيقفون عندما حدّ لهم ، ومع المحسنين . والمعيّة هنا مجاز في التأييد والنّصر . وأتي في جانب التقوى بصلة فعلية ماضية للإشارة إلى لزوم حصولها وتقرّرها من قبل
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 271 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور