تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ملبّس وكلاهما يلقي في طريق المصلحين شواك الشبه بقصد أو بغير قصد . فسبيل تقويمه هو المجادلة ، فتلك أدنى لإقناعه وكشف قناعه . في « الموطأ » أن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - قال في خطبة خطبها في آخر عمره : « أيها الناس قد سنّت لكم السّنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تضلّوا بالناس يمينا وشمالا » وضرب بإحدى يديه على الأخرى . ( لعلّه ضرب بيده اليسرى على يده اليمنى الممسكة السيف أو العصا في حال الخطبة ) . وهذا الضرب علامة على أنه ليس وراء ما ذكر مطلب للناس في حكم لم يسبق له بيان في الشريعة . وقدم ذكر علمه
بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
على ذكر علمه
بِالْمُهْتَدِينَ
لأن المقام تعريض بالوعيد للضالين ، ولأن التخلية مقدمة على التحلية ، فالوعيد مقدّم على الوعد . [ 126 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 126 ]

وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) عطف على جملة
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
[ سورة النحل : 125 ] ، أي إن كان المقام مقام الدعوة فلتكن دعوتك إيّاهم كما وصفنا ، وإن كنتم أيها المؤمنون معاقبين لمشركين على ما نالكم من أذاهم فعاقبوهم بالعدل لا بتجاوز حدّ ما لقيتم منهم . فهذه الآية متّصلة بما قبلها أتم اتّصال ، وحسبك وجود العاطف فيها . وهذا تدرّج في رتب المعاملة من معاملة الذين يدعون ويوعظون إلى معاملة الذين يجادلون ثم إلى معاملة الذين يجازون على أفعالهم ، وبذلك حصل حسن الترتيب في أسلوب الكلام . وهذا مختار النحاس وابن عطية وفخر الدين ، وبذلك يترجّح كون هذه الآية مكية مع سوابقها ابتداء من الآية الحادية والأربعين ، وهو قول جابر بن زيد ، كما تقدم في أول السورة . واختار ابن عطية أن هذه الآية مكّية . ويجوز أن تكون نزلت في قصة التّمثيل بحمزة يوم أحد ، وهو مرويّ بحديث ضعيف للطبراني . ولعلّه اشتبه على الرّواة تذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الآية حين توعّد المشركين بأن يمثّل بسبعين منهم إن أظفره اللّه بهم . والخطاب للمؤمنين ويدخل فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والمعاقبة : الجزاء على فعل السوء بما يسوء فاعل السوء .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 269 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور