تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
فقوله :
بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ
مشاكلة ل
عاقَبْتُمْ
. استعمل
عُوقِبْتُمْ
في معنى عوملتم به ، لوقوعه بعد فعل
عاقَبْتُمْ
، فهو استعارة وجه شبهها هو المشاكلة . ويجوز أن يكون
عُوقِبْتُمْ
حقيقة لأن ما يلقونه من الأذى من المشركين قصدوا به عقابهم على مفارقة دين قومهم وعلى شتم أصنامهم وتسفيه آبائهم . والأمر في قوله :
فَعاقِبُوا
للوجوب باعتبار متعلّقه ، وهو قوله :
بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
فإن عدم التجاوز في العقوبة واجب . وفي هذه الآية إيماء إلى أن اللّه يظهر المسلمين على المشركين ويجعلهم في قبضتهم ، فلعلّ بعض الذين فتنهم المشركون يبعثه الحنق على الإفراط في العقاب . فهي ناظرة إلى قوله :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
[ سورة النحل : 110 ] . ورغّبهم في الصبر على الأذى ، أي بالإعراض عن أذى المشركين وبالعفو عنه ، لأنه أجلب لقلوب الأعداء ، فوصف بأنه خير ، أي خير من الأخذ بالعقوبة ، كقوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
[ سورة فصّلت : 34 ] ، وقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ سورة الشورى : 40 ] . وضمير الغائب عائد إلى الصبر المأخوذ من فعل
صَبَرْتُمْ
، كما في قوله تعالى :
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ سورة المائدة : 8 ] . وأكّد كون الصبر خيرا - بلام القسم - زيادة في الحثّ عليه . وعبّر عنهم بالصابرين إظهارا في مقام الإضمار لزيادة التنويه بصفة الصابرين ، أي الصبر خبر لجنس الصابرين . [ 127 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 127 ]

وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) خص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالأمر بالصبر للإشارة إلى أن مقامه أعلى ، فهو بالتزام الصبر أولى ، أخذا بالعزيمة بعد أن رخّص لهم في المعاقبة . وجملة
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
معترضة بين المتعاطفات ، أي وما يحصل صبرك إلا بتوفيق اللّه إيّاك . وفي هذا إشارة إلى أن صبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عظيم لقي من أذى المشركين أشدّ