تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
في جانبهم بالموعظة الحسنة والمجادلة الحسنى أهمّ ، ثم أتبع ذلك بالعلم بالمهتدين على وجه التكميل . وفيه إيماء إلى أنه لا يدري أن يكون بعض من أيس من إيمانه قد شرح اللّه صدره للإسلام بعد اليأس منه . وتأكيد الخبر بضمير الفصل للاهتمام به . وأما
إِنَّ
فهي في مقام التعليل ليست إلا لمجرّد الاهتمام ، وهي قائمة مقام فاء التفريع على ما أوضحه عبد القاهر في دلائل الإعجاز ؛ فإن إفادتها التأكيد هنا مستغنى عنها بوجود ضمير الفصل في الجملة المفيدة لقصر الصّفة على الموصوف ، فإن القصر تأكيد على تأكيد . وإعادة ضمير الفصل في قوله :
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
للتّنصيص على تقوية هذا الخبر لأنه لو قيل : وأعلم بالمهتدين ، لاحتمل أن يكون معطوفا على جملة
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ
على أنه خبر ( لإنّ ) غير داخل في حيّز التقوية بضمير الفصل ، فأعيد ضمير الفصل لدفع هذا الاحتمال . ولم يقل : وبالمهتدين ، تصريحا بالعلم في جانبهم ليكون صريحا في تعلّق العلم به . وهذان القصران إضافيان ، أي ربّك أعلم بالضّالين والمهتدين ، لا هؤلاء الذين يظنّون أنهم مهتدون وأنكم ضالون . والتفضيل في قوله :
هُوَ أَعْلَمُ
تفضيل على علم غيره بذلك . فإنه علم متفاوت بحسب تفاوت العالمين في معرفة الحقائق . وفي هذا التفضيل إيماء إلى وجوب طلب كمال العلم بالهدى ، وتمييز الحقّ من الباطل ، وغوص النظر في ذلك ، وتجنّب التسرّع في الحكم دون قوة ظنّ بالحقّ ، والحذر من تغلّب تيارات الأهواء حتى لا تنعكس الحقائق ولا تسير العقول في بنيّات الطرائق ، فإن الحقّ باق على الزمان والباطل تكذبه الحجّة والبرهان . والتخلّق بهذه الآية هو أن كل من يقوم مقاما من مقامات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في إرشاد المسلمين أو سياستهم يجب عليه أن يكون سالكا للطرائق الثلاث : الحكمة ، والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، وإلا كان منصرفا عن الآداب الإسلامية وغير خليق بما هو فيه من سياسة الأمّة ، وأن يخشى أن يعرّض مصالح الأمّة للتلف ، فإصلاح الأمّة يتطلّب إبلاغ الحقّ إليها بهذه الوسائل الثلاث . والمجتمع الإسلامي لا يخلو عن متعنّت أو
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 268 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور