تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
الموعظة أن تكون حسنة ، أي بإلانة القول وترغيب الموعوظ في الخير ، قال تعالى خطابا لموسى وهارون :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ سورة طه : 43 ] . وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية أنه قال : « وعظنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون » الحديث . وأما الحكمة فهي تعليم لمتطلبي الكمال من معلّم يهتمّ بتعليم طلابه فلا تكون إلا في حالة حسنة فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة . والمجادلة لما كانت محاجة في فعل أو رأي لقصد الإقناع بوجه الحقّ فيه فهي لا تعدو أن تكون من الحكمة أو من الموعظة ، ولكنها جعلت قسيما لهما هنا بالنظر إلى الغرض الداعي إليها . وإذ قد كانت مجادلة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لهم من ذيول الدعوة وصفت بالتي هي أحسن كما وصفت الموعظة بالحسنة . وقد كان المشركون يجادلون النبي قصدا لإفحامه ، وتمويها لتغليطه نبّه اللّه على أسلوب مجادلة النبي إيّاهم استكمالا لآداب وسائل الدعوة كلها . فالضمير في
وَجادِلْهُمْ
عائد إلى المشركين بقرينة المقام لظهور أن المسلمين لا يجادلون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن يتلقّون منه تلقّي المستفيد والمسترشد . وهذا موجب تغيير الأسلوب بالنسبة إلى المجادلة إذ لم يقل : والمجادلة الحسنة ، بل قال :
وَجادِلْهُمْ
، وقال تعالى أيضا :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ سورة العنكبوت : 46 ] . ويندرج في « التي هي أحسن » ردّ تكذيبهم بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجّه ، مثل قوله تعالى
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سورة سبأ : 24 ] ، وقوله :
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
[ سورة الحج : 68 ] . والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة ، وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم هذه الطرق الثلاثة . وذلك كله بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصّة وعامّة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 265 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور