تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
عاد الكلام إلى تعداد نعم جمّة ومعها ما فيها من العبر أيضا جمعا عجيبا بين الاستدلال ووصلا للكلام المفارق عند قوله تعالى :
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
[ سورة النحل : 16 ] ، كما علمته فيما تقدم . فكان ذكر إنزال الماء في الآية السابقة مسوقا مساق الاستدلال ، وهو هنا مسوق مساق الامتنان بنعمة إحياء الأرض بعد موتها بالماء النازل من السماء . وبهذا الاعتبار خالفت هذه النّعمة النّعمة المذكورة في قوله سابقا
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ
[ سورة النحل : 10 ] باختلاف الغرض الأوّلي ، فهو هنا لك الاستدلال بتكوين الماء وهنا الامتنان . وبناء الجملة على المسند الفعلي لإفادة التخصيص ، أي اللّه لا غيره أنزل من السماء ماء . وذلك في معنى قوله تعالى :
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ
[ سورة الروم : 40 ] . وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر لقصد التّنويه بالخبر إذ افتتح بهذا الاسم ، ولأن دلالة الاسم العلم أوضح وأصرح . فهو مقتضى مقام تحقيق الانفراد بالخلق والإنعام دون غيره من شركائهم ، لأن المشركين يقرّون بأن اللّه هو فاعل هذه الأشياء . وإحياء الأرض : إخراج ما فيه الحياة ، وهو الكلأ والشجر . وموتها ضد ذلك ، فتعدية فعل ( أحيا ) إلى الأرض تعدية مجازية . وقد تقدم عند قوله تعالى :
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها *
في سورة البقرة [ 164 ] ، وتقدّم وجه العبرة في آية نزول المطر هنا لك . وجملة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
مستأنفة . والتأكيد ب
إِنَّ
ولام الابتداء لأن من لم يهتد بذلك إلى الوحدانية ينكرون أن القوم الذين يسمعون ذلك قد علموا دلالته على الوحدانية ، أي ينكرون صلاحية ذلك للاستدلال . والإتيان باسم الإشارة دون الضمير ليكون محل الآية جميع المذكورات من إنزال المطر وإحياء الأرض به وموتها من قبل الإحياء . والكلام في « قوم يسمعون » كالكلام في قوله آنفا :
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ سورة النحل : 64 ] . والسمع : هنا مستعمل في لازم معناه على سبيل الكناية ، وهو سماع التدبّر