والإتيان بصيغة القصر في قوله تعالى :
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ
لقصد الإحاطة بالأهمّ من غاية القرآن وفائدته التي أنزل لأجلها . فهو قصر ادعائي ليرغب السامعون في تلقّيه وتدبّره من مؤمن وكافر كلّ بما يليق بحاله حتى يستووا في الاهتداء .
ثم إن هذا القصر يعرّض بتفنيد أقوال من حسبوا من المشركين أن القرآن أنزل لذكر القصص لتعليل الأنفس في الأسمار ونحوها حتى قال مضلّهم : أنا آتيكم بأحسن مما جاء به محمد ، آتيكم بقصة ( رستم ) و ( إسفنديار ) . فالقرآن أهم مقاصده هذه الفوائد الجامعة لأصول الخير ، وهي كشف الجهالات والهدى إلى المعارف الحقّ وحصول أثر ذينك الأمرين ، وهو الرحمة الناشئة عن مجانبة الضلال واتباع الهدى .
وأدخلت لام التعليل على فعل « تبين » الواقع موقع المفعول لأجله لأنه من فعل المخاطب لا من فعل فاعل
أَنْزَلْنا
، فالنبي هو المباشر للبيان بالقرآن تبليغا وتفسيرا .
فلا يصحّ في العربية الإتيان بالتبيين مصدرا منصوبا على المفعولية لأجله إذ ليس متّحدا مع العامل في الفاعل ، ولذلك خولف في المعطوف فنصب
هُدىً وَرَحْمَةً
لأنهما من أفعال منزل القرآن ، فاللّه هو الهادي والراحم بالقرآن ، وكل من البيان والهدى والرحمة حاصل بالقرآن فآلت الصفات الثلاث إلى أنها صفات للقرآن أيضا .
والتعبير ب
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
دون للمؤمنين ، أو للذين آمنوا ، للإيماء إلى أنهم الذين الإيمان كالسّجية لهم والعادة الراسخة التي تتقوّم بها قوميّتهم ، كما تقدم في قوله تعالى :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *
في سورة البقرة [ 164 ] .
وهاته الآية بمنزلة التذييل للعبر والحجج الناشئة عن وصف أحوال المخلوقات ونعم الخالق على الناس المبتدئة من قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ سورة النحل :
17 ] .
[ 65 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 65 ]
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 )
انتهى الكلام المعترض به وعاد الكلام إلى دلائل الانفراد بالخلق مع ما أدمج فيه ذلك من التذكير بالنّعم . فهذه منّة من المنن وعبرة من العبر وحجّة من الحجج المتفرّعة عن التذكير بنعم اللّه والاعتبار بعجيب صنعه .