تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
طاهر نافع مغذّ ، وليس قذرا ضارا غير صالح للتغذية كالبول والثفل . وموقع
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ
موقع الصفة ل
لَبَناً
، قدمت عليه للاهتمام بها لأنها موضع العبرة ، فكان لها مزيد اهتمام ، وقد صارت بالتقديم حالا . ولما كان اللبن يحصل في الضرع لا في البطن جعل مفعولا ل
نُسْقِيكُمْ
، وجعل
مِمَّا فِي بُطُونِهِ
تبيينا لمصدره لا لمورده ، فليس اللبن مما في البطون ؛ ولذلك كان
مِمَّا فِي بُطُونِهِ
متقدما في الذكر ليظهر أنه متعلق بفعل
نُسْقِيكُمْ
وليس وصفا للّبن . وقد أحاط بالأوصاف التي ذكرناها للّبن قوله تعالى :
خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
. فخلوصه نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل ، وسوغه للشاربين سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شربه ، فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهّمه . وهذا الوصف العجيب من معجزات القرآن العلمية ، إذ هو وصف لم يكن لأحد من العرب يومئذ أن يعرف دقائق تكوينه ، ولا أن يأتي على وصفه بما لو وصف به العالم الطبيعي لم يصفه بأوجز من هذا وأجمع . وإفراد ضمير الأنعام في قوله تعالى :
مِمَّا فِي بُطُونِهِ
مراعاة لكون اللفظ مفردا لأن اسم الجمع لفظ مفرد ، إذ ليس من صيغ الجموع ، فقد يراعى اللفظ فيأتي ضميره مفردا ، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة الجموع ، كما في آية سورة المؤمنين [ 21 ]
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها
. والخالص : المجرّد مما يكدّر صفاءه ، فهو الصافي . والسائغ : السهل المرور في الحلق . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب
نُسْقِيكُمْ
- بفتح النون - مضارع سقى . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف - بضم النون - على أنه مضارع أسقى ، وهما لغتان ، وقرأه أبو جعفر بمثناة فوقية مفتوحة عوضا عن النون على أن الضمير للأنعام . [ 67 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 67 ]

وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) عطف على جملة
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً
[ سورة النحل : 66 ] .