تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
تعالى :
وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
[ سورة الروم : 9 ] . والمعنى : فالشيطان وليّ المشركين اليوم ، أي متولّي أمرهم كما كان وليّ الأمم من قبلهم إذ زيّن لهم أعمالهم ، أي لا وليّ لهم اليوم غيره ردّا على زعمهم أن لهم الحسنى . ويكون في الكلام شبه الاحتباك . والتقدير : لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فكان وليّهم حينئذ ، وهو وليّ المشركين اليوم يزيّن لهم أعمالهم كما كان وليّ من قبلهم . وقوله :
الْيَوْمَ
مستعمل في زمان معهود بعهد الحضور ، أي فهو وليّهم الآن . وهو كناية عن استمرار ولايته لهم إلى زمن المتكلّم مطلقا بدون قصد ، لما يدلّ عليه لفظه من الوقت الذي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . وهو منصوب على الظرفية للزمان الحاضر . وأصله : اليوم الحاضر ، وهو اليوم الذي أنت فيه . وتقدم عند قوله تعالى :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ
في سورة العقود [ 3 ] . ولا يستعمل في يوم مضى معرّفا باللام إلا بعد اسم الإشارة ، نحو : ذلك اليوم ، أو مثل : يومئذ . [ 64 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 64 ]

وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 ) عطف على جملة القسم . والمناسبة أن القرآن أنزل لإتمام الهداية وكشف الشبهات التي عرضت للأمم الماضية والحاضرة فتركت أمثالها في العرب وغيرهم . فلما ذكرت ضلالاتهم وشبهاتهم عقّب ذلك ببيان الحكمة في إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإنزال القرآن إليه ، فالقرآن جاء مبيّنا للمشركين ضلالهم بيانا لا يترك للباطل مسلكا إلى النفوس ، ومفصحا عن الهدى إفصاحا لا يترك للحيرة مجالا في العقول ، ورحمة للمؤمنين بما جازاهم عن إيمانهم من خير الدنيا والآخرة . وعبّر عن الضلال بطريقة الموصولية
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ
للإيماء إلى أن سبب الضلال هو اختلافهم على أنبيائهم ، فالعرب اختلفت ضلالتهم في عبادة الأصنام ، عبدت كل قبيلة منهم صنما ، وعبد بعضهم الشمس والكواكب ، واتّخذت كل قبيلة لنفسها أعمالا يزعمونها دينا صحيحا . واختلفوا مع المسلمين في جميع ذلك الدّين .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 157 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور