تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وتمييزه ، وتسمية الآجال تحديدها . وتقدم نظير هذه عند قوله تعالى :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
في سورة الأعراف [ 34 ] . [ 62 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 62 ]

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) هذا ضغث على إبّالة من أحوالهم في إشراكهم تخالف قصّة قوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
[ سورة النحل : 57 ] باعتبار ما يختصّ بهذه القصّة من إضافتهم الأشياء المكروهة عندهم إلى اللّه مما اقتضته كراهتهم البنات بقوله تعالى :
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
[ سورة النحل : 57 ] ، فكان ذلك الجعل ينطوي على خصلتين من دين الشّرك ، وهما : نسبة البنوّة إلى اللّه ، ونسبة أخسّ أصناف الأبناء في نظرهم إليه ، فخصّت الأولى بالذكر بقوله
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
مع الإيماء إلى كراهتهم البنات كما تقدّم . وخصّت هذه بذكر الكراهية تصريحا ، ولذلك كان الإتيان بالموصول والصلة
ما يَكْرَهُونَ
هو مقتضى المقام الذي هو تفظيع قولهم وتشنيع استئثارهم . وقد يكون الموصول للعموم فيشير إلى أنهم جعلوا للّه أشياء يكرهونها لأنفسهم مثل الشريك في التصرّف ؛ وأشياء لا يرضونها لآلهتهم ونسبوها للّه كما أشار إليه قوله تعالى :
فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[ سورة الأنعام : 136 ] . وفي « الكشاف » : « يجعلون للّه أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها » . فهو مراد من عموم الموصول ، فتكون هذه القصة أعمّ من قصّة قوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
، ويكون تخصيصها بالذكر من جهتين : جهة اختلاف الاعتبار ، وجهة زيادة أنواع هذا الجعل . وجملة
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ
عطف قصة على قصة أخرى من أحوال كفرهم . ومعنى
تَصِفُ
تذكر بشرح وبيان وتفصيل ، حتى كأنها تذكر أوصاف الشيء . وحقيقة الوصف : ذكر الصفات والحلي . ثم أطلق على القول المبيّن المفصل . قال في « الكشاف » في الآية الآتية في أواخر هذه السورة : « هذا من فصيح الكلام وبليغه . جعل القول كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد صورت الكذب بصورته ، كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر » اه .