تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ومعنى
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ
أنه دعا الناس ونصب الأدلّة على بطلان اعتقاده . وهذا كقوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ
[ سورة الفتح : 15 ] وقوله :
كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ
[ سورة الفتح : 15 ] . وصيغة التّثنية من قوله :
إِلهَيْنِ
أكدت بلفظ
اثْنَيْنِ
للدّلالة على أن الاثنينية مقصودة بالنّهي إبطالا لشرك مخصوص من إشراك المشركين ، وأن لا اكتفاء بالنّهي عن تعدّد الإله بل المقصود النّهي عن التّعدد الخاص وهو قول المجوس بإلهين . ووقع في « الكشاف » توجيه ذكر
اثْنَيْنِ
بأنه لدفع احتمال إرادة الجنس حقيقة لا مجازا . وإذ نهوا عن اتخاذ إلهين فقد دلّ بدلالة الاقتضاء على إبطال اتخاذ آلهة كثيرة . وجملة
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
يجوز أن تكون بيانا لجملة
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
، فالجملة مقولة لفعل
وَقالَ اللَّهُ
لأن عطف البيان تابع للمبيّن كموقع الجملة الثانية في قول الشاعر « 1 » : أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا فلذلك فصلت ، وبذلك أفيد بالمنطوق ما أفيد قبل بدلالة الاقتضاء . والضمير من قوله تعالى :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
عائد إلى اسم الجلالة في قوله :
وَقالَ اللَّهُ
، أي قال اللّه إنما اللّه إله واحد ، وهذا جري على أحد وجهين في حكاية القول وما في معناه بالمعنى كما هنا ، وقوله تعالى حكاية عن عيسى - عليه السلام -
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
[ سورة المائدة : 117 ] ف
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
مفسر « أمرتني » ، وفعل « أمرتني » فيه معنى القول ، واللّه قال له : قل لهم اعبدوا اللّه ربك وربهم ، فحكاه بالمعنى ، فقال : ربّي . والقصر في قوله :
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
قصر موصوف على صفة ، أي اللّه مختصّ بصفة توحّد الإلهية ، وهو قصر قلب لإبطال دعوى تثنية الإله . ويجوز أن تكون جملة
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
معترضة واقعة تعليلا لجملة
لا تَتَّخِذُوا
هامش
( 1 ) هذا البيت من شواهد النحو وعلم المعاني وتمام البيت : ولا فكن في السر والجهر مسلما ولا يعرف قائله .