الممدوح بأنه مشابه للملائكة في السجود للّه تعالى .
[ 51 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 51 ]
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 )
لما أشبع القول في إبطال تعدّد الآلهة الشائع في جميع قبائل العرب ، وأتبع بإبطال الاختلاق على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن ، نقل الكلام إلى إبطال نوع آخر من الشّرك متّبع عند قبائل من العرب وهو الإشراك بإلهية أصلين للخير والشرّ ، تقلّدته قبائل العرب المجاورة بلاد فارس والساري فيهم سلطان كسرى وعوائدهم ، مثل بني بكر بن وائل وبني تميم ، فقد دان منهم كثير بالمجوسية ، أي المزدكية والمانوية في زمن كسرى أبرويش وفي زمن كسرى أنوشروان ، والمجوسية تثبت عقيدة بإلهين : إله للخير وهو النّور ، وإله للشرّ وهو الظلمة ، فإله الخير لا يصدر منه إلا الخير والأنعام ، وإله الشرّ لا يصدر عنه إلا الشرّ والآلام ، وسمّوا إله الخير ( يزدان ) ، وسموا إله الشرّ ( أهرمن ) « 1 » . وزعموا أن يزدان كان منفردا بالإلهية وكان لا يخلق إلا الخير فلم يكن في العالم إلا الخير ، فخطر في نفسه مرة خاطر شرّ فتولّد عنه إله آخر شريك له هو إله الشرّ ، وقد حكى هذا المعرّي في لزومياته بقوله :
فكّر يزدان على غرة * فصيغ من تفكيره أهرمن
ولم يكونوا يجعلون لهذين الأصلين صورا مجسّمة ، فلذلك لم يكن دينهم من عداد عبادة الطاغوت لاختصاص اسم الطاغوت بالصور والأجسام المعبودة . وهذا الدين من هذه الجهة يشبه الأديان التي لا تعبد صورا محسوسة . وسيأتي الكلام على المجوسيّة عند تفسير قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا
إلى قوله
وَالْمَجُوسَ
في سورة الحج [ 17 ] .
ويدلّ على أن هذا الدين هو المراد التّعقيب بآية
ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
[ سورة النحل : 53 ] كما سيأتي .
فقوله تعالى :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
عطف قصّة على قصّة وهو مرتبط بجملة
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ سورة النحل :
36 ] .
هامش
( 1 ) يزدان بتحتية مفتوحة وزاي ساكنة . وأهرمن بهمزة مفتوحة وهاء ساكنة وراء وميم مضمومتين ونون ساكنة .