وتفرّع على هاتين الجملتين التّوبيخ على تقواهم غيره ، وذلك أنهم كانوا يتقون إله الشرّ ويتقرّبون إليه ليأمنوا شرّه .
[ 53 ، 54 ]
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 53 إلى 54 ]
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 )
عطف خبر على خبر . وهو انتقال من الاستدلال بمصنوعات اللّه الكائنة في ذات الإنسان وفيما يحيط به من الموجودات إلى الاستدلال بما ساق اللّه من النعم ، فمن الناس معرضون عن التّدبر فيها وعن شكرها وهم الكافرون ، فكان في الأدلّة الماضية القصد إلى الاستدلال ابتداء متبوعا بالامتنان .
وتغيّر الأسلوب هنا فصار المقصود الأول هو الامتنان بالنّعم مدمجا فيه الاعتبار بالخلق . فالخطاب موجّه إلى الأمّة كلّها ، ولذلك جاء عقبه قوله تعالى :
إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
.
وابتدئ بالنّعم على وجه العموم إجمالا ثم ذكرت مهمات منها .
والخطاب موجّه إلى المشركين تذكيرا لهم بأن اللّه هو ربّهم لا غيره لأنه هو المنعم .
وموقع قوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
هنا أنه لما أبطل في الآية السابقة وجود إلهين اثنين ( أحدهما فعله الخير والآخر فعله الشرّ ) أعقبه هنا بأن الخير والضر من تصرفات اللّه تعالى ، وهو يعطي النّعمة وهو كاشف الضرّ .
والباء للملابسة ، أي ما لابسكم واستقرّ عندكم ، و
مِنْ نِعْمَةٍ
لبيان إبهام
ما
الموصولة .
و ( من ) في قوله تعالى :
فَمِنَ اللَّهِ
ابتدائية ، أي واصلة إليكم من اللّه ، أي من عطاء اللّه ، لأن النّعمة لا تصدر عن ذات اللّه ولكن عن صفة قدرته أو عن صفة فعله عند مثبتي صفات الأفعال . ولما كان
ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ
مفيدا للعموم كان الإخبار عنه بأنه من عند اللّه مغنيا عن الإتيان بصيغة قصر .
و
ثُمَّ
في قوله تعالى :
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
للتّراخي الرتبي كما هو شأنها الغالب في عطفها الجمل ، لأن اللجأ إلى اللّه عند حصول الضرّ أعجب إخبارا من الإخبار