تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
مناسبة موقع جملة
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
بعد جملة
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
[ سورة النحل : 51 ] أن الذين جعلوا إلهين جعلوهما النور والظلمة . وإذ كان النور والظلمة مظهرين من مظاهر السماء والأرض كان المعنى : أن ما تزعمونه إلها للخير وإلها للشرّ هما من مخلوقاته . وتقديم المجرور يفيد الحصر فدخل جميع ما في السماء والأرض في مفاد لام الملك ، فأفاد أن ليس لغيره شيء من المخلوقات خيرها وشرّها . فانتفى أن يكون معه إله آخر لأنه لو كان معه إله آخر لكان له بعض المخلوقات إذ لا يعقل إله بدون مخلوقات . وضمير
لَهُ
عائد إلى اسم الجلالة من قوله :
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ
. فعطفه على جملة
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
[ سورة النحل : 51 ] لأن عظمة الإلهية اقتضت الرّهبة منه وقصرها عليه ، فناسب أن يشار إلى أن صفة المالكية تقتضي إفراده بالعبادة . وأما قوله :
وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
فالدين يحتمل أن يكون المراد به الطاعة ، من قولهم : دانت القبيلة للملك ، أي أطاعته ، فهو من متمّمات جملة
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، لأنه لما قصر الموجودات على الكون في ملكه كان حقيقا بقصر الطاعة عليه ، ولذلك قدّم المجرور في هذه الجملة على فعله كما وقع في التي قبلها . ويجوز أن يكون
الدِّينُ
بمعنى الديانة ، فيكون تذييلا لجملة
وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
، لأن إبطال دين الشرك يناسبه أن لا يدين الناس إلا بما يشرّعه اللّه لهم ، أي هو الذي يشرّع لكم الدين لا غيره من أئمّة الضلال مثل عمرو بن لحيي ، وزرادشت ، ومزدك ، وماني ، قال تعالى :
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
[ سورة الشورى : 21 ] . ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى : ملك يوم الدين [ سورة الفاتحة : 4 ] ، فيكون إدماجا لإثبات البعث الذي ينكره أولئك أيضا . والمعنى : له ما في السماوات والأرض وإليه يرجع من في السماوات والأرض لا يرجعون إلى غيره ولا ينفعهم يومئذ أحد . والواصب : الثابت الدائم ، وهو صالح للاحتمالات الثلاثة ، ويزيد على الاحتمال الثالث لأنه تأكيد لردّ إنكارهم البعث .