تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
زوالها . وتقدم ذكر الظلال عند قوله :
وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
في سورة الرعد [ 15 ] . وقوله :
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ
، أي عن جهات اليمين وجهات الشمائل مقصود به إيضاح الحالة العجيبة للظلّ إذ يكون عن يمين الشخص مرّة وعن شماله أخرى ، أي إذا استقبل جهة ما ثم استدبرها . وليس المراد خصوص اليمين والشمال بل كذلك الأمام والخلف ، فاختصر الكلام . وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المشرق . وجمع
الشَّمائِلِ
مرادا به تعدّد جنس جهة الشمال بتعدّد أصحابها ، كما قال :
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ
[ سورة المعارج : 40 ] . فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنّن . ومجيء فعل
يَتَفَيَّؤُا
بتحتية في أوله على صيغة الإفراد جرى على أحد وجهين في الفعل إذا كان فاعله جمعا غير جمع تصحيح ، وبذلك قرأ الجمهور . وقرأ أبو عمرو ويعقوب تتفيأ بفوقيتين على الوجه الآخر . وأفرد الضمير المضاف إليه ( ظلال ) مراعاة للفظ
شَيْءٍ
وإن كان في المعنى متعدّدا ، وباعتبار المعنى أضيف إليه الجمع . و
سُجَّداً
حال من ضمير
ظِلالُهُ
العائد إلى
مِنْ شَيْءٍ
فهو قيد للتفيّؤ ، أي أن ذلك التفيّؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه . وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى :
وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
في سورة الرعد . وجملة
وَهُمْ داخِرُونَ
في موضع الحال من الضمير في
ظِلالُهُ
لأنه في معنى الجمع لرجوعه
ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
. وجمع بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء تغليبا لأن في جملة الخلائق العقلاء وهم الجنس الأهمّ . والدّاخر : الخاضع الذّليل ، أي داخرون لعظمة اللّه تعالى . [ 49 ، 50 ]

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 49 إلى 50 ]

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) لما ذكر في الآية السابقة السجود القسري ذكر بعده هنا سجود آخر بعضه اختيار وفي