تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
يفقهونها كقوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
في سورة الأنعام [ 99 ] ، أي كذلك التّفصيل الذي فصلته لكم هنا نفصّل الآيات ويتجدّد تفصيلنا إياها حرصا على نفع قوم يعلمون . والمراد ب
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الثّناء على المسلمين الذين فهموا الآيات وشكروا عليها ، والتّعريض بجهل وضلال عقول المشركين الذين استمرّوا على عنادهم وضلالهم ، رغم ما فصّل لهم من الآيات . [ 33 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 33 ]

قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) لمّا أنبأ قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
[ الأعراف : 32 ] إلى آخره ، بأنّ أهل الجاهليّة حرموا من الزّينة والطّيبات من الرّزق ، وأنبأ قوله تعالى - قبل ذلك -
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
[ الأعراف : 28 ] بأنّ أهل الجاهليّة يعزون ضلالهم في الدّين إلى اللّه ، فأنتج ذلك أنّهم ادّعوا أنّ ما حرّموه من الزّينة والطّيبات قد حرّمه اللّه عليهم ، أعقب مجادلتهم ببيان ما حرّمه اللّه حقّا وهم ملتبسون به وعاكفون على فعله . فالقصر المفاد من
إِنَّما
قصر إضافي مفاده أنّ اللّه حرّم الفواحش وما ذكر معها لا ما حرّمتموه من الزّينة والطّيّبات ، فأفاد إبطال اعتقادهم ، ثمّ هو يفيد بطريق التّعريض أنّ ما عدّه اللّه من المحرّمات الثّابت تحريمها قد تلبّسوا بها ، لأنّه لمّا عدّ أشياء ، وقد علم النّاس أنّ المحرّمات ليست محصورة فيها ، علم السّامع أنّ ما عيّنه مقصود به تعيين ما تلبّسوا به فحصل بصيغة القصر ردّ عليهم من جانبي ما في صيغة ( إنّما ) من إثبات ونفي : إذ هي بمعنى ( ما - وإلّا ) ، فأفاد تحليل ما زعموه حراما وتحريم ما استباحوه من الفواحش وما معها . والفواحش جمع فاحشة وقد تقدّم ذكر معنى الفاحشة عند قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً
في سورة النّساء [ 22 ] وتقدّم آنفا عند قوله تعالى :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
[ الأعراف : 28 ] . و
ما ظَهَرَ مِنْها
هو ما يظهره النّاس بين قرنائهم وخاصتهم مثل البغاء والمخادنة ، وما بطن هو ما لا يظهره النّاس مثل الوأد والسّرقة ، وقد تقدّم القول في نظيره عند قوله