تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
بحسب اختلاف ضمائر الناس ومبالغ نياتهم ، فأما ما كان منها مستندا لدليل شرعي فلا تبعة على صاحبه ، وذلك مثل أمن المسلمين من أمثال عذاب الأمم الماضية المستند إلى قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ الأنفال : 33 ] ، وإلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم لما نزل قوله تعالى :
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ
- فقال النبي - عليه الصلاة والسلام : أعوذ بسبحات وجهك الكريم -
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
- فقال : أعوذ بسبحات وجهك الكريم
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً
[ الأنعام : 65 ] الآية - فقال : هذه أهون » كما تقدم في تفسيرها في سورة الأنعام ومثل ، أمن أهل بدر من عذاب الآخرة لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ما يدريك لعل اللّه اطّلع على أهل بدر فقال : « اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » في قصة حاطب بن أبي بلتعة . ومثل إخبار النبي صلى اللّه عليه وسلّم عبد اللّه بن سلام أنه لا يزال آخذا بالعروة الوثقى ، ومثل الأنبياء فإنهم آمنون من مكر اللّه بإخبار اللّه إياهم بذلك ، وأولياء اللّه كذلك ، قال تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
[ يونس : 62 ، 63 ] فمن العجيب ما ذكره الخفاجي أن الحنفية قالوا : الأمن من مكر اللّه كفر لقوله تعالى :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. والأمن مجمل ومكر اللّه تمثيل والخسران مشكك الحقيقة . وقال الخفاجي : الأمن من مكر اللّه كبيرة عند الشافعية ، وهو الاسترسال على المعاصي اتكالا على عفو اللّه وذلك مما نسبه الزركشي في « شرح جمع الجوامع » إلى ولي الدين ، وروى البزار وابن أبي حاتم عن ابن عباس : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم سئل : ما الكبائر فقال : الشرك باللّه واليأس من روح اللّه والأمن من مكر اللّه » ، ولم أقف على مبلغ هذا الحديث من الصحة ، وقد ذكرنا غير مرة أن ما يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم مراد منه أيضا تحذير المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه . [ 100 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 100 ]

أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) عطفت على جملة :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
[ الأعراف : 97 ] لاشتراك مضمون الجملتين في الاستفهام التعجيبي ، فانتقل عن التعجيب من حال الذين مضوا إلى التعجيب من حال الأمة الحاضرة ، وهي الأمة العربية الذين ورثوا ديار الأمم الماضية فسكنوها : مثل أهل