تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
عنهم ، وليحذروا أن يكون ذلك كفعل الماكر بعدوّه . والمكر حقيقته : فعل يقصد به ضر أحد في هيئة تخفى أو هيئة يحسبها منفعة . وهو هنا استعارة للإمهال والإنعام في حال الإنعام في حال الإمهال ، فهي تمثيلية ، شبه حال الإنعام مع الإمهال وتعقيبه بالانتقام بحال المكر ، وتقدم في سورة آل عمران [ 54 ] عند قوله :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
. وقوله :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
مترتب ومتفرع عن التعجيب في قوله :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
لأن المقصود منه تفريع أن أهل القرى المذكورين خاسرون لثبوت أنهم أمنوا مكر اللّه ، والتقدير : أفأمنوا مكر اللّه فهم قوم خاسرون . وإنما صيغ هذا التفريع بصيغة تعم المخبر عنهم وغيرهم ليجري مجرى المثل ويصير تذييلا للكلام ، ويدخل فيه المعرّض بهم في هذه الموعظة وهم المشركون الحاضرون ، والتقدير : فهم قوم خاسرون ، إذ لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون . والخسران - هنا - هو إضاعة ما فيه نفعهم بسوء اعتقادهم ، شبه ذلك بالخسران وهو إضاعة التاجر رأس ماله بسوء تصرفه ، لأنهم باطمئنانهم إلى السلامة الحاضرة ، وإعراضهم عن التفكر فيما يعقبها من الأخذ الشبيه بفعل الماكر قد خسروا الانتفاع بعقولهم وخسروا أنفسهم . وتقدم قوله تعالى :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
في سورة الأنعام [ 12 ] ، وقوله :
فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
في أول السورة [ 9 ] . وتقدم أن إطلاق المكر على أخذ اللّه مستحقي العقاب بعد إمهالهم : أن ذلك تمثيل عند قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
في سورة آل عمران [ 54 ] . واعلم أن المراد بأمن مكر اللّه في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين ، الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ
نبيء
إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
[ الأعراف : 94 ] ثم قوله :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً
الآيات ، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - ، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمن ناشئ عن كفر ، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم وما أطلق عليه أنه مكر اللّه . ومن الأمن من عذاب اللّه أصناف أخرى تغاير هذا الأمن ، وتتقارب منه ، وتتباعد ،