تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
الثاني تارة بنفسه وأخرى بالحرف : اللام أو ( إلى ) ، فلذلك كانت تعديته إلى المفعول الأول باللام في هذه الآية إمّا لتضمينه معنى يبين ، وإما لتقوية تعلق معنى الفعل بالمفعول كما في قولهم : شكرت له ، وقوله تعالى :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
[ مريم : 5 ] ، ومثل قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
في سورة طه [ 128 ] . و
أَنْ
مخففة من ( أنّ ) واسمها ضمير الشأن ، وجملة
لَوْ نَشاءُ
خبرها . ولما كانت ( أن ) - المفتوحة الهمزة - من الحروف التي تفيد المصدرية على التحقيق لأنها مركّبة من ( إنّ ) المكسورة المشددة ، ومن ( أنّ ) المفتوحة المخففة المصدرية لذلك عدّت في الموصولات الحرفية وكان ما بعدها مؤولا بمصدر منسبك من لفظ خبرها إن كان مفردا مشتقا ، أو من الكون إن كان خبرها جملة ، فموقع
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ
موقع فاعل
يَهْدِ
، والمعنى : أو لم يبيّن للذين يخلفون في الأرض بعد أهلها كون الشأن المهم وهو لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم . وهؤلاء هم الذين أشركوا باللّه وكذبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلّم . والإصابة : نوال الشيء المطلوب بتمكّن فيه . فالمعنى : أن نأخذهم أخذا لا يفلتون منه . والباء في
بِذُنُوبِهِمْ
للسببية ، وليست لتعدية فعل
أَصَبْناهُمْ
. وجملة :
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
واقعة موقع مفرد ، هو فاعل
يَهْدِ
، ف ( إن ) مخففة من الثقيلة وهي من حروف التأكيد والمصدرية واسمها في حالة التخفيف ، ضمير شأن مقدر ، وجملة شرط ( لو ) وجوابه خبر ( أنّ ) . و ( لو ) حرف شرط يفيد تعليق امتناع حصول جوابه لأجل امتناع حصول شرطه : في الماضي ، أو في المستقبل ، وإذ قد كان فعل الشرط هنا مضارعا كان في معنى الماضي ، إذ لا يجوز اختلاف زمني فعلي الشرط والجواب ، وإنما يخالف بينهما في الصورة لمجرد التفنن كراهية تكرير الصورة الواحدة ، فتقدير قوله :
لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ
انتفى أخذنا إياهم في الماضي بذنوب تكذيبهم ، لأجل انتفاء مشيئتنا ذلك لحكمة إمهالهم لا لكونهم أعزّ من الأمم البائدة أو أفضل حالا منهم ، كما قال تعالى :
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
[ غافر : 21 ] الآية ، وفي هذا تهديد بأن اللّه قد يصيبهم بذنوبهم في المستقبل ، إذ لا يصده عن ذلك غالب ، والمعنى : أغرهم تأخّر العذاب مع تكذيبهم فحسبوا أنفسهم في منعة منه ، ولم