تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
والبركات : جمع بركة ، والمقصود من الجمع تعددها ، باعتبار تعدد أصناف الأشياء المباركة . وتقدم تفسير البركة عند قوله تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
في سورة الأنعام [ 92 ] . وتقدم أيضا في قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً
في سورة آل عمران [ 96 ] . وتقدم أيضا في قوله تعالى :
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
في هذه السورة [ 54 ] ، وجماع معناها هو الخير الصالح الذي لا تبعة عليه في الآخرة فهو أحسن أحوال النعمة ، ولذلك عبر في جانب المغضوب عليهم المستدرجين بلفظ
الْحَسَنَةَ
بصيغة الإفراد في قوله :
مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
وفي ج [ الأعراف : 95 ] أنب المؤمنين بالبركات مجموعة . وقوله :
مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
مراد به حقيقته ، لأن ما يناله الناس من الخيرات الدنيوية لا يعدو أن يكون ناشئا من الأرض ، وذلك معظم المنافع ، أو من السماء مثل ماء المطر وشعاع الشمس وضوء القمر والنجوم والهواء والرياح الصالحة . وقوله :
وَلكِنْ كَذَّبُوا
استثناء لنقيض شرط ( لو ) فإن التكذيب هو عدم الإيمان فهو قياس استثنائي . وجملة :
فَأَخَذْناهُمْ
متسببة على جملة :
وَلكِنْ كَذَّبُوا
وهو مثل نتيجة القياس ، لأنه مساوي نقيض التالي ، لأن أخذهم بما كسبوا فيه عدم فتح البركات عليهم . وتقدم معنى الأخذ آنفا في قوله تعالى :
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأعراف : 95 ] ، والمراد به أخذ الاستئصال . والباء للسببية أي بسبب ما كسبوه من الكفر والعصيان . ( والفاء ) في قوله :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
عاطفة أفادت الترتب الذكري ، فإنه لما ذكر من أحوال جميعهم ما هو مثار التعجيب من حالهم أعقبه بما يدل عليه معطوفا بفاء الترتب . ومحل التعجيب هو تواطؤهم على هذا الغرور ، أي يترتب على حكاية تكذيبهم وأخذهم استفهام التعجيب من غرورهم وأمنهم غضب القادر العليم . وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب عند قوله تعالى :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ
في سورة البقرة [ 87 ] . وجيء بقوله :
يَأْتِيَهُمْ
بصيغة المضارع لأن المراد حكاية أمنهم الذي مضى من إتيان بأس اللّه في مستقبل ذلك الوقت .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 210 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور