تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
نجران ، وأهل اليمن ، ومن سكنوا ديار ثمود مثل بليّ ، وكعب ، والضجاغم ، وبهراء ، ومن سكنوا ديار مدين مثل جهينة ، وجرم ، وكذلك من صاروا قبائل عظيمة فنالوا السيادة على القبائل : مثل قريش ، وطي ، وتميم ، وهذيل . فالموصول بمنزلة لام التعريف العهدي ، وقد يقصد بالذين يرثون الأرض كل أمة خلفت أمة قبلها ، فيشمل عادا وثمودا ، فقد قال لكلّ نبيّهم
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ
[ الأعراف : 74 ] إلخ ولكن المشركين من العرب يومئذ مقصودون في هذا ابتداء . فالموصول بمنزلة لام الجنس . والاستفهام في قوله :
أَ وَلَمْ يَهْدِ
مستعمل في التعجيب . مثل الذي في قوله :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
[ الأعراف : 97 ] تعجيبا من شدة ضلالتهم إذ عدموا الاهتداء والاتعاظ بحال من قبلهم من الأمم ، ونسوا أن اللّه قادر على استئصالهم إذا شاءه . والتعريف في الأرض تعريف الجنس ، أي يرثون أي أرض كانت منازل لقوم قبلهم ، وهذا إطلاق شائع في كلام العرب ، يقولون هذه أرض طيئ ، وفي حديث الجنازة « من أهل الأرض » أي من السكان القاطنين بأرضهم لا من المسلمين الفاتحين فالأرض بهذا المعنى اسم جنس صادق على شائع متعدد ، فتعريفه تعريف الجنس ، وبهذا الإطلاق جمعت على أرضين ، فالمعنى : أو لم يهد للذين يرثون أرضا من بعد أهلها . والإرث : مصير مال الميت إلى من هو أولى به ، ويطلق مجازا على مماثلة الحي ميتا في صفات كانت له ، من عزّ أو سيادة ، كما فسر به قوله تعالى حكاية عن زكرياء
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي
[ مريم : 5 ، 6 ] أي يخلفني في النبوءة ، وقد يطلق على القدر المشترك بين المعنيين ، وهو مطلق خلافة المنقرض . وهو هنا محتمل للإطلاقين ، لأنه إن أريد بالكلام أهل مكة فالإرث بمعناه المجازي ، وإن أريد أهل مكة والقبائل التي سكنت بلاد الأمم الماضية فهو مستعمل في القدر المشترك ، وهو كقوله تعالى :
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
[ الأنبياء : 105 ] وأيّا ما كان فقيد
مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
تأكيد لمعنى
يَرِثُونَ
، يراد منه تذكير السامعين بما كان فيه أهل الأرض الموروثة من بحبوحة العيش ، ثم ما صاروا إليه من الهلاك الشامل العاجل ، تصويرا للموعظة بأعظم صورة فهو كقوله تعالى :
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 129 ] . ومعنى
لَمْ يَهْدِ
لم يرشد ويبين لهم ، فالهداية أصلها تبيين الطريق للسائر ، واشتهر استعمالهم في مطلق الإرشاد : مجازا أو استعارة كقوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] . وتقدم أن فعلها يتعدى إلى مفعولين ، وأنه يتعدى إلى الأول منهما بنفسه وإلى