تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ
أي : بدّلناهم حالة حسنة بحالتهم السيّئة بحالتهم السيّئة وهي حالة البأساء والضراء . فالتعريف تعريف الجنس ، وهو مشعر بأنهم أعطوا حالة حسنة بطيئة النفع لا تبلغ مبلغ البركة . و
حَتَّى
غاية لما يتضمنه
بَدَّلْنا
من استمرار ذلك وهي ابتدائية ، والجملة التي بعدها لا محل لها . و
عَفَوْا
كثروا . يقال : عفا النبات ، إذا كثر ونما ، وعطف
وَقالُوا
على
عَفَوْا
فهو من بقية الغاية . والسّرّاء : النعمة ورخاء العيش ، وهي ضد الضراء . والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة عسى أن يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب اللّه عليهم من جرّاء تكذيبهم رسولهم فلا يهتدون ، ثم نردهم إلى حالتهم الأولى إمهالا لهم واستدراجا فيزدادون ضلالا ، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك التغيير إنما هو عارض من عوارض الزمان وأنه قد أصاب أسلافهم من قبلهم ولم يجئهم رسل . وهذه عادة اللّه تعالى في تنبيه عباده ، فإنه يحب منهم التوسم في الأشياء والاستدلال بالعقل والنظر بالمسببات على الأسباب ، كما قال تعالى :
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
[ التوبة : 126 ] لأن اللّه لما وهب الإنسان العقل فقد أحب منه أن يستعمله فيما يبلغ به الكمال ويقيه الضلال . وظاهر الآية : أن هذا القول صادر بألسنتهم وهو يكون دائرا فيما بين بعضهم وبعض في مجادلتهم لرسلهم حينما يعظونهم بما حلّ بهم ويدعونهم إلى التوبة والإيمان ليكشف عنهم الضر . ويجوز أن يكون هذا القول أيضا : يجيش في نفوسهم ليدفعوا بذلك ما يخطر ببالهم من توقع أن يكون ذلك الضر عقابا من اللّه تعالى ، وإذ قد كان محكيا عن أمم كثيرة كانت له أحوال متعددة بتعدد ميادين النفوس والأحوال . وحاصل ما دفعوا به دلالة الضراء على غضب اللّه أن مثل ذلك قد حل بآبائهم الذين