لم يدعهم رسول إلى توحيد اللّه ، وهذا من خطأ القياس وفساد الاستدلال ، وذلك بحصر الشيء ذي الأسباب المتعددة في سبب واحد ، والغفلة عن كون الأسباب يخلف بعضها بعضا ، مع الغفلة عن الفارق في قياس حالهم على حال آبائهم بأن آبائهم لم يأتهم رسل من اللّه ، وأما أقوام الرسل فإن الرسل تحذرهم الغضب والبأساء والضراء فتحيق بهم ، أفلا يدلهم ذلك على أن ما حصل لهم هو من غضب اللّه عليهم ، على أن غضب اللّه ليس منحصر الترتب على معصية الرسول بل يكون أيضا عن الانغماس في الضلال المبين ، مع وضوح أدلة الهدى للعقول ، فإن الإشراك ضلال ، وأدلة التوحيد واضحة للعقول ، فإذا تأيدت الدلالة بإرسال الرسل المنذرين قويت الضلالة باستمرارها ، وانقطاع أعذارها ، ومثل هذا الخطأ يعرض للناس بداعي الهوى وإلف حال الضلال .
والفاء في قوله :
فَأَخَذْناهُمْ
للتعقيب عن قوله :
عَفَوْا
، و
قالُوا
، باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة ، ولا إشعار فيه بأن قولهم ذلك هو سبب أخذهم بغتة ولكنه دل على إصرارهم ، أي : فحصل أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبطرهم النعمة .
والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولا في العادة لحصول مثل هذه الحوادث العظيمة .
والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى :
أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
في سورة الأنعام [ 44 ] .
والبغتة : الفجأة ، وتقدمت عند قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
[ الأنعام :
31 ] ، وفي قوله :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
في سورة الأنعام [ 44 ] ، وتقدم هنالك وجه نصبها .
وجملة :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
حال مؤكدة لمعنى
بَغْتَةً
.
[ 96 - 99 ]
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 96 إلى 99 ]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 )